من حرور وصرود ، وإنزال الماء من السماء وتفصيله إلى ما إليه يفصله أن منزله هو
العلي الأعلى بأمره الحكيم عن منبعث الفيحين من سعير وزمهرير ، وفتح الفتاح
العليم بالفتحين الماء المبارك ينزله من السماء ، وتغليب رحمته على غضبه كما
شاء ، وأنها آيات دالات على الإحياء بعد الممات ، وعلى الخزائن في دارَي
المصيرين ، وأن وعد الله حق ، والساعة لا ريب فيها ، مع تحقيق اللقاء الكريم ،
وتجلي العليم العظيم في جنات النعيم .
نظم بذلك قوله - جل من قائل: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ(21) . كما
قال في غير هذا الموضع: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ(55)
المسيطر الجبار المسلط ، وقد يكون بمعنى الحفيظ والرقيب كما قال: إنما عليك
البلاغ ، يقرأ"المسيطر"بالصاد والسين .
نظم بذلك قوله الحق - عز جلاله: (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ(23)
والتذكير واحد ، والمتذكرون على منازل متباينة ينزلونها على مقادير حظوظهم من
الهداية وصدق الاستجابة ونصيحة الأنفس وإعمالها بالمثابرة مع التيقظ والنظر ،
وتصحيح العبرة والتبرؤ إلى الله من الحول والقوة ، وأدنى منازلهم: منزلة من ذكر
فتذكر ، فلما تبين له الهدى أعرض وتولى ، تقدير الكلام: فذكر إنما أنت مذكر من
تذكر ، وسيجزيه بإيمانه وسعيه إلا من تولى ، أي: عما أبصره بتذكره وكفر بما هدى
إليه وبانَ له من الحق .
(فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ(24) . والعذاب الأكبر: عذاب الكافر ،
وقرأها زيد بن أسلم وعبد الله بن أبي إسحاق:"ألا من تولى وكفر"بفتح الهمزة
وتخفيف اللام ، وقرأها عبد الله بن مسعود:"فإنه يعذبه الله العذاب الأكبر"بزيادة إن .