العذب والمالح منه ، وكالخيف بين السهل والجبل فيه من حزن الجبل وسهولة
السهل ، وهي مدة لبثهم في التراب بعد الموت لما فيها من عذاب الدنيا ، وما ينشأ
إليه في تلك ؛ لأنها أحق حقيقة في النعيم والعذاب من هذه ، كما أن الدار الآخرة
أحق حقيقة من هاتين دار الدنيا ودار البرزخ ، والبرزخ مختلط الشيئين كبرزخ
البحرين واختلاط النهار بالليل إلى غير ذلك من الموجودات .
ومعنى قوله - جل قوله: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ) لما كانت
إلى الدنيا وجوههم وإلى الآخرة ظهورهم صلح ذكر الوراء في هذا الموضع ، ألا
ترى أنهم قد يحصل لهم العلم بما قد مضى ، وأما ما هو آتٍ فهم به جاهلون ،
والأمام مضاف إليه العلم ، والوراء بالضد ، ولهذا أكثر ما يأتى هذا الخطاب بذكر
الوراء ولا أحسبه إلا لهذه العلة ، والله أعلم .
(فصل)
قال الله - جلَّ من قائل: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ(93)
المعنى يخاطب في ذلك رسوله - جلَّ جلالُه - والذين اتبعوه واقتدوا به داخلون معه في هذا
الأمر ، وقد كان ذكر الكفار مشركيهم والذين (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا)
تعالى الله عما يصفون ومنكري البعث ، إلى غير ذلك من أصناف الكفرة والضالين ،
ورد عليهم بما تقدم ذكره في أثناء السورة من إثبات الوحدانية والنبوة وتحقيق
النشأة الآخرة والإعادة بعد البداية .
ثم قررهم على كفرهم بما هو محصل في ذواتهم حقيقة خلافه الذي هو
الحق ، ثم تبرأ من جميع ما نسبوه إليه وسبَّح نفسه - عز وجل - عن ذلك وتعالى علوًّا كبيرًا عن
افترائهم ، ثم قال على أثر ذلك: (قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ(93) . أي:
من الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة (فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(94) .
ثم أعقب ذلك قوله الحق: (وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ(95) ادْفَعْ