غير محسوسين ولا موجودين حتى أخرجنا كلًا على نوبته إلى رزقه وعلمه وأجله
وشقاوته أو سعادته ، كذلك يحملنا حال الموت من بين هذه الحياة والحياة الآخرة
في مثال هذه الأجسام التي هي بواطنها إلى الحياة الآخرة الكائنة في يوم النشور .
وأما الذين لم يحملهم في الجارية فلم يحمل أيضًا أنسالهم وأنسال أنسالهم
إلى يوم القيامة ، بل أبطلهم وأبطل أعمالهم وأرزاقهم وسعادتهم وشقاوتهم وآجالهم
وآثارهم ، نسخ ذلك كله وأزاله ، سبحانه وله الحمد ، ما أعجب قضاءه وأمضى
حكمه ، لا إله إلا هو ، لذلك قال وهو أعلم: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً) ثم قال:
(وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ) يشير إلى هذا العجب المعجب .
قال الله - جل من قائل: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ(41)
وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) . أي: في البر والبحر ، وتماثلت
مراكب البر والبحر في أنها حمولة ومراكب يعبر عليها من موضع إلى موضع ، ونبه
بقوله: (وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ(43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى
حِينٍ (44) . وهذا قد يصبغه ببعض الفلك في هذه الدار ، وهو أيضًا قد
يفعله لبعض مراكب البرزخ في عذاب القبر ، كالذي يشدخ رأسه ، والذي يشرشر
شدقاه ، وكالذي يسلط عليه الحيات في قبره ، فهذا إهلاك لتلك المراكب وتغريق
لتلك الفلك وإلى هذا ففي الآخرة أيضًا تغريق وإهلاك في بحار الحمم وغير ذلك
من المهالك (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ(5) .
ثم يقول - جل من قائل: (فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي) لمن عصاني وكذب رسلي
(وَنُذُرِ) يقول: كيف نضربهم ومن آمن بهم وجعلت لهم العاقبة(إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ).
آتبع ذلك قوله الحق عز جلاله: (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ(17)
يقول - جل من قائل: جعلنا للتذكر مجالًا رحبًا ومتسعًا سهلًا في آيات
الأرض والسماء ، وأنزلنا القرآن على اللسان العربي ونزلناه للأفهام تنزيلا ،
وخاطبناهم بعوائدهم وأعلمناهم من قبل أعمالهم فأقبسناهم المعرفة واليقين من
قبل ذواتهم ، وضربنا لهم الأمثال وأطلنا لهم في مدة الإعذار ، وذكرناهم بالرسل
والكتب ، ليتذكروا الميثاق المأخوذ عليهم (فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) وقرأ قتادة:"من مذكر"