الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) . تكرر هذا المعنى في الكتاب العزيز ،
أعني: ذم الدنيا ورفع قدر الآخرة ، فقال هنا ما تقدم ذكره ، وقال في سورة القصص:
(وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا) . ثم قال:(وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى
أَفَلَا تَعْقِلُونَ)فهذا الأظهر فيه أن ظاهر المفاضلة وقعت فيما بين
موجودات هذه وهذه .
وقال في موضع آخر: فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ
خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36) . وقال في مكان غير
هذا:(أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ
وَالْأَوْلَادِ)إلى آخر المعنى ، فهذه والآيتان قبلها ظاهر تفضيلها بين
موجودات وموجودات .
وقال في سورة الأنعام: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ
لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) . هذه واللاتي قبلها ظاهر التفضيل فيهن بين
موجودات وموجودات ، لكن باطن معناهن ظاهر ، والآية الأولى التي قال في تلك:
إنها دار الحيوان ، التفضيل فيهن كلهن في كون تلك دار الحيوان ؛ أي: إنها لا لهو
ولا تأثيم ، ولا لغو ولا لعب ، ولا غفلة ولا نسيان لأنعُم الله وآلائه ، ولا فاتن بها ولا
مفتون ولا موت ، قد انحصر جزاء الفاتن والمفتون كله إلى فتنة جهنم وجزائها ،
أعاذنا الله برحمته منها .
وانحصر معنى الحيوان إلى الحياة التي هي الإيمان والذكر والعلم والمعرفة ،
وانقطع عنهم كل ما يضاد الموت ، موت الدين وموت الأجسام كما هنالك ، فهم
أبدًا يذكرون الله جعل طيب عيشهم وكريم نعمتهم في ذلك ، وكل شيء حي كما
هنالك لا يطرقه موت فهي دار الحيوان ، دل على هذا التأويل ذكره اللعب واللهو
والتفاخر والتكاثر ، وكل هذا موت في عرفان الوحي ومعهود الهداية ومسلوك
الصراط المستقيم .
قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ ...(68)
"الحق"هَاهُنَا: هو الرسول وما جاء ، فمن الأمر بالإيمان والإسلام
والعمل بطاعة الله ، و"الافتراء على الله الكذب"هو أن يقول: (أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ