فهرس الكتاب

الصفحة 149 من 2809

وعليه بما جعل له ، وأوجد من أجله من معنى الابتلاء والذكر أو الفتنة لحكمة فاعله

-جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه في مصنوعه بالغة وحجة له عليه قاهرة .

كذلك ابتدأ جلَّ ذكره الإنسان أولًا من سلالة من طين ، ثم جعل نسله من

سلالة من ماء مهين ، فلما سوَّاه وبلغ به منتهاه نفخ فيه من روحه وجعله متبوعًا

إمامًا ، وأسجد له ملائكته وسخر له ما في العلو والسفل ؛ ليشتمل على مبتدعات

المشيئة علمًا وفهمًا ، خلقه من الأصول الأربعة وأحوجه إليها ؛ لأنها أصله وهو

فرعها ، فمنها طعامه وشرابه وطهوره وكفايته وصلاح شأنه حيًّا كله وفساده ، ليقرب

له العبرة ويسهل له سبيل العلم بموضع مصيره حيًّا وميتًا ، فهو شخص القطب

ولباب اللب ، ومن الجملة موضع القلب فعليه دار الأمر والنهي .

وألقى الذكر مفصلًا على معاني الديانة التي مقتضى الإسلام على معاني

الأمانة التي حملها الأنام ، وهي التي عجزت عن تحملها السماوات والأرض

والجبال على شروط الجزاء؛ إذ كان مخلوقا كالعالم الكلي في أصل كونه للابتلاء ،

فكانت الأمانة سبب الأمر والنهي ، وعلة الذكر النازل من السماء على ألسنة الرسل

والأنبياء - صلوات الله وسلامه على جميعهم - كالعالم الكلي سواء في نزول الأمر

عليه من أعلى العرش الكريم ، وشياعه في جملته خلقًا وأمرًا تتلقاه الملائكة

فينفذونه بأمره - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه .

(لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(6) . كالقوى في

الجسم الجزئي والصفات سواء كونًا وشرعًا ؛ ذلك ليقوم الحجة لله على عباده ، ويتم

مراده في جميع موجوداته ؛ إذ كان هذا الإنسان علة لخلقها وسببًا لوجودها .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ

بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12) .

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ(26) الَّذِينَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت