النظر في العاقبة، ويصد عن التفكر في آيات الله، والنظر في كتابه العزيز وملكوت
السماوات والأرض، وفقدان هذا هو ترك الاستعداد لحسن المآب.
قول الله - عز وجل: (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ) إلى قوله:
(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ(15) . كيف لا تكون الآخرة خير من الدنيا، وقد
ثة ت الدنيا إلى الآخرة نشئًا عظيمًا لا يقدر العباد قدره إلا إيمانًا به وتسليمًا.
ألا ترى أن الدنيا لم تكن قبل بل كانت وما فيها عدمًا، ولما أذن الله لجهنم
-أعاذنا الرحيم برحمته منها - أن تتنفس نفَسَيها الموجودَين فكما هَاهُنَا، خلقها
خالقها - جلَّ جلالُه - على ذلك مع فضل رحمته، فنشأ عدمها إلى وجود، وكذلك ينشأ وجودها
هذا إلى وجود في الآخرة، كما نشأت النطفة إلى جنين ثم إلى خلق آخر ثم إلى
الاستواء، كذلك تنشأ الدنيا في الآخرة إلى وجود هو أتم وأكمل وأفخم، قد أخبرنا
بذلك الصادق الحق - جلَّ جلالُه -، وأعربت به الدلائل وشهدت به الشواهد، فذلك وجود حق
لا محالة.
وبوجهٍ آخر: إن الله - جلَّ ثناؤه - خلق كل ما ذكره من موجودات الدنيا،
وبخاصة ما ذكره جلَّ ذكره في هذه الآية من ذهبٍ أو فضة وخيل ونساء أو أنعام
وحرث، خلق ذلك كله من تراب هذه أرضها وهو معرض عنها.
قال الله تعالى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) وهي
ملعونة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان من ذكر الله، أو"
آوى إليه"."
وفي الخبر:"لما أهبط الله آدم - صلى الله عليه السلام - قال: يا آدم قد لعنت الأرض لعمارتك"
إياها، فلا تنال منها شيئًا إلا نكدًا" [1] ."
وموجودات الجنة مخلوقة من أرضها التي هي فضة أو ذهب ومسك أو نور،
[1] علامات الوضع لائحة في ثنايا هذا الخبر. والله أعلم. اهـ (مصحح نسخة الشاملة) .