من البحر مع الإصبع ، وأن المثل المذكور منه - صلى الله عليه وسلم - للتقريب كمثل الخضر لموسى
-عليه السَّلام - في قوله وقد نقر عصفور من حرف السفينة في لجة البحر نقرة أو نقرتين ، وهو
يومئذٍ في مجتمع البحور ، وهو أكثر ماء على وجه الأرض:"ما علمي يا موسى"
وعلمك في علم الله - جلَّ جلالُه - إلا كنقرة هذا العصفور من هذا البحر"وعلم الخضر"
وموسى كان من علم الله - جلَّ جلالُه - ، وكذلك موجود الدنيا هو من موجود الآخرة .
سهل على إبراهيم المأتى في العبرة من دليل إلى ما هو مدلول عليه ، ومن
إشارة إلى ما هو مشار إليه ؛ إذ معرفها والمشار إليه بها ، والمشهود له بها إنه جاعلها
ومسخرها هو الحي القادر العالم المريد المدبر الحكيم ، وإنهن كما هن مدبرات لا
تستغني عن مدبر قادر مصرف .
كذلك قال عزَّ من قائل: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا) إلى قوله:
جل قوله: (مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ) أي: الحق الذي إليه المصير ، فاعبر
-وفقك الله - مما نشاهده هنا إلى حق فيما هنالك ، واحكم بالمماثلة من قليل هنا إلى
كثير هناك باقٍ ، ولا يفنى ، كذلك قال: (يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(5) .
(فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) .
قوله تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ . . . ) محاجتهم إياه أن أضافوا ما قد