أي: أنك جعلت لإنكار ما قد جعل عندك أنه منكر وأمر بمعروف جعل عندك أنه
المعروف ، وفي فحوى هذا الخطاب ، وسترى في صحبتي من ذلك ما تنكره ، فكيف
تصبر على هذين وأنت لم تتصور حقيقة علمي ، فتقدم عزيمة الصبر على حقيقة
ذلك .
ولما وعده موسى - عليه السَّلام - من نفسه"الصبر واشترط في ذلك مشيئة الله - جل"
ذكره - مَشَيَا على سيف البحر ، فجاءت سفينة سبقت لها من الله مشيئة في
خلاصهما من الملك الغاصب فاستحملاهما أنفسهما ، فعرفوا الخضر وحملوهما -
عليهما السلام - بغير نول إحسانًا منهم إليهما ، فأخذ الخضر - عليه السَّلام - القدوم واقتلع من
السفينة بعض ألواحها مما يلي الماء وأغرقها ، فتأكد على موسى - عليه السَّلام - إنكار ذلك
على سبيله المسنون له ، [فقال: قوم أحسنوا إلينا] وحملونا بغير نول ، جازيتَهم على
ذلك بأن أغرقتَ سفينتهم ليغرقوا على ذلك .
فأجابه - عليه السَّلام - بقوله: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا(72) . إلى
قوله: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا(78) أَمَّا السَّفِينَةُ
فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ
سَفِينَةٍ غَصْبًا (79) .
وقرأ ابن عبَّاسٍ:"وكان أمامَهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبًا"فكان ذلك
آية لمن عمل صالحًا ، فوافقه من القدر مكروه له ، فليقوِّ رجاؤه في أن ذلك خير له
وحرز من هلاك ، هو أكبرا مما أصابه أضعافًا ، وربما أصاب عامل الخير المكروه