-جل ذكره - لهم:"ما تبغون ؟ فيقولون: عطشنا يا ربنا فاسقنا ، فيشار لهم إلى جهنم"
كأنها سراب يحطم بعضها بعضا ، فيقال: ألا تردون ، فيسيرون إليها سعيًا ويردونها
وهي جهنم"هذا قوله: (حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا . . . ) ."
ثم ضرب مثلا آخر لأعمال الكفار وأحوال بواطنهم بخالص الظلام
المصاحب لهم بقوله الحق: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ...(40) . فهذه ظلمة
الليل في البحر مُثِّل ذلك بعدم الهداية مع خطر الحال ، لا يجد من يسأله عن
هداية ولا بما يهتدي ، ثم قال - عز من قائل: (يَغْشَاهُ مَوْجٌ) .
فأعلم بهذا أن الجو مغيم ، والبحر قد [اعتلم] ؛ تعريضا بظلام الكفر ووشيك
الإهلاك ، ليس كمن هو من نور ربه في مثل الهواء الصافي المشبه بالزجاجة ،
وبالكوكب الدري بما أنارته الشمس الضاحية وفي قوله تعالى:(يَغْشَاهُ
مَوْجٌ)أي: يغشى هذا الغريق في البحر في الليل المظلم موج ؛ لأجل اعتلام
البحر ، وخصَّ البحر بالذكر لأجل كفره ؛ ولأنه مهلك ، لا سيما لمن هو في غير
سفينة من إيمانه وعلمه وعمله يحمله فيها .
ثم قال - عز من قائل: (مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ) أي: من فوق الموج الذي يغشاه موج
غيره ، من فوق ذلك الموج (سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ)
ظلام الموج الذي يغشاه ؛ ثم ظلام الموج الثاني الذي يكون في البحر عند وجود
النوء وعصوف الرياح ، ثم ظلام الليل مع ظلمة الجو من السحاب الذي غشيه ، فهذه
ظلمة السحاب التي تهيل البحر ، وتحول دون أنوار الكواكب وبياض الماء وظلمة