فهرس الكتاب

الصفحة 1766 من 2809

ذكره من ذكر إمساكه وحفظه وتعهده جميع المخلوقات بسريان الإيجاد والإعداد

والهداية والإضلال والإعدام على نحو ما تقدم ذكره في أثناء الكتاب ؛ كجري الماء

إلى صببه فيما هي قائمة ؛ لإقامة العالم ومنافع العباد هي مسخرة وبما هي مسخرة

لمن سخرت له ، هي قانتة عابدة لمسخرها ، وبما هي قائمة من الإيجاد والإعدام

والحفظ والترك ، لكن الإيجاد والحفظ ظاهران وضدهما باطنًا ، وهي مسبحة

وحامدة لموضع الإيجاد والإمساك مسبحة عن معنى الإعدام والافتقار .

ثم قال: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أي ساجد له عابد قانت ظاهره ذلك

فيه كونًا وشرعًا ، أمَّا ظهور ذلك فيها كونًا ، فلأجل التيسير لما يسرت له وأوجدت

إليه ، وأمَّا ظهور ذلك فيها شرعًا فيما سخرت له من إقامة الأمر ومنافع العباد

(وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) لتركه العبادة الشرعية وتارك التسخير فاسق .

واعلم أن للموجودات تسبيحًا وعادة بينها وبين بارئها بصعدات إلى تسبيح

أمر الشرع وعبادته ، وقد يطلع الله على ذلك من شاء من عباده ، من أراده بذلك

كداوود وسُلَيْمَان والأنبياء ، ومن شاء من الأولياء ، والله على كل شيء قدير ، ذو فضل

عظيم يؤتيه من يشاء .

قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ...(19) . الخصمان هم

أهل الضلالة والهداية ، لما ذكر المجادلين في الله ذكر فريق الهدى والضلال ، وما

يؤول إليه هذا وهذا من ثواب جزيل وعقاب أليم ، هذا على القول بالعموم وظاهر

سرد القرآن ، وهو الذي جرى ذكره من أول السورة إلى هذا الموضع .

وذكر عن علي - رضي الله عنه - أنه قال:"أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة"

وذلك أنه لما كان يوم بدر كان المشركون من قريش ، وقد برز إليهم قوم من

الأنصار أكفاء كرام ، لكن أخرجوا إلينا بني أبينا ، فبرز أربعة من المسلمين إلى أربعة

من كفار قريش ، منهم علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة إلى الوليد بن عقبة وعتبة

وربيعة ، فقتل عتبة وعقبة وربيعة ، وأمَّا عبيدة - رحمه الله - فرجع عليه ذباب سيفه

فمات منه ، وإنما قال ذلك - رحمة الله عليه - لما ثبت أن هذه الأمة تحاسب أولًا

من الأمم ، وأن أول ما يكون الحساب في الدماء ، وذلك أول دم أريق في الإسلام

في سبيل الله ، وقال: (هَذَانِ خَصْمَانِ) على التشبيه ؛ وذلك لأنهم فريقان ثم قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت