ذكره من ذكر إمساكه وحفظه وتعهده جميع المخلوقات بسريان الإيجاد والإعداد
والهداية والإضلال والإعدام على نحو ما تقدم ذكره في أثناء الكتاب ؛ كجري الماء
إلى صببه فيما هي قائمة ؛ لإقامة العالم ومنافع العباد هي مسخرة وبما هي مسخرة
لمن سخرت له ، هي قانتة عابدة لمسخرها ، وبما هي قائمة من الإيجاد والإعدام
والحفظ والترك ، لكن الإيجاد والحفظ ظاهران وضدهما باطنًا ، وهي مسبحة
وحامدة لموضع الإيجاد والإمساك مسبحة عن معنى الإعدام والافتقار .
ثم قال: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أي ساجد له عابد قانت ظاهره ذلك
فيه كونًا وشرعًا ، أمَّا ظهور ذلك فيها كونًا ، فلأجل التيسير لما يسرت له وأوجدت
إليه ، وأمَّا ظهور ذلك فيها شرعًا فيما سخرت له من إقامة الأمر ومنافع العباد
(وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ) لتركه العبادة الشرعية وتارك التسخير فاسق .
واعلم أن للموجودات تسبيحًا وعادة بينها وبين بارئها بصعدات إلى تسبيح
أمر الشرع وعبادته ، وقد يطلع الله على ذلك من شاء من عباده ، من أراده بذلك
كداوود وسُلَيْمَان والأنبياء ، ومن شاء من الأولياء ، والله على كل شيء قدير ، ذو فضل
عظيم يؤتيه من يشاء .
قوله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ...(19) . الخصمان هم
أهل الضلالة والهداية ، لما ذكر المجادلين في الله ذكر فريق الهدى والضلال ، وما
يؤول إليه هذا وهذا من ثواب جزيل وعقاب أليم ، هذا على القول بالعموم وظاهر
سرد القرآن ، وهو الذي جرى ذكره من أول السورة إلى هذا الموضع .
وذكر عن علي - رضي الله عنه - أنه قال:"أنا أول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة"
وذلك أنه لما كان يوم بدر كان المشركون من قريش ، وقد برز إليهم قوم من
الأنصار أكفاء كرام ، لكن أخرجوا إلينا بني أبينا ، فبرز أربعة من المسلمين إلى أربعة
من كفار قريش ، منهم علي بن أبي طالب وحمزة وعبيدة إلى الوليد بن عقبة وعتبة
وربيعة ، فقتل عتبة وعقبة وربيعة ، وأمَّا عبيدة - رحمه الله - فرجع عليه ذباب سيفه
فمات منه ، وإنما قال ذلك - رحمة الله عليه - لما ثبت أن هذه الأمة تحاسب أولًا
من الأمم ، وأن أول ما يكون الحساب في الدماء ، وذلك أول دم أريق في الإسلام
في سبيل الله ، وقال: (هَذَانِ خَصْمَانِ) على التشبيه ؛ وذلك لأنهم فريقان ثم قال: