أنت الإمام الذي من بعد صاحبه ... ألقت إليه مقاليد النهى البشر
ما آثروك بها إذ قدموك لها ... لكن لأنفسهم كانت بك الأثر
أتبع ذلك ما هو في معناه قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا ...(13) . ثم
قال: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) يعني - والله أعلم بما ينزل - وأوحينا
إليهم الذي أوحينا إليك ، وهذا منتظم بما في أول السورة من معنى: (حم(1) عسق (2)
كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ). والمعنى بهذا والله أعلم:
وحي الروح إليه أوحاه إليه محكمًا مجملًا مفهومًا لديه منه به ، ثُمَّ يفصله فيما
يشرعه لذلك وهو أعلم .
عطف بالواو في قوله: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) على قوله: (شَرَعَ لَكُمْ) والذي
اجتمع عليه معنى ما أوحى إليهم هو ما عبر عنه قوله:(أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا
فِيهِ)أن تكونوا يدًا واحدة تعبدون ربًّا واحدًا على دين واحد ، وهو الذي كبر على
المشركين ، لكن (اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: يستخلصه ويصطفيه(وَيَهْدِي إِلَيْهِ
مَنْ يُنِيبُ)أي: إلى الإسلام وإقامة دين التوحيد .
(وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ(14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19) .