(وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ(40) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41) وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (42) وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا)
اختلف في معنى هذا ، وفصل الخطاب فيه والله أعلم: إن المراد بذلك: ما
انتقص الله - جلَّ جلالُه - من أطراف أرضهم كأرض عاد وثمود ومدين والمؤتفكات وغيرهن
بالإهلاك والتدمير ، ولم يكن العلماء يومئذٍ موجودين كما ذكروا أنهم العلماء ، ولا
كان ظهر تغلب الإسلام على بلد من البلاد ، وهذه السورة مكية .
وأما نظيرتها من سورة الأنبياء قوله:(أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ
أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ)فعبارة عن حال الإسلام يومئذٍ في اقتباله
وشبابه ، فكانت الأرض تنقص من أطرافها بأخذ المسلمين إياها يقول الله جل قوله:
فهلا أقاموا ذلك آية لهم على غلبة الإسلام على من يليه ، دل على هذا التأويل قوله
جلَّ قوله: (أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ) فكان فحوى الخطاب من ذلك إنذارًا بما هو كائن
اليوم ، فإنه سيكون المقتبل مدبرًا والشباب هرمًا كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"بدأ"
الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ"."
ثم عرض جل ذكره إلى معنيين بقوله جلَّ قوله:(وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)يعرض بمعنى قوله: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ
فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) .
أتبع ذلك قوله تعالى: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا ...(42)