الحق المبين يطير به روحًا وارتياحًا ، تفعل ذلك بما هي راح ، وتغطي على صفاتهم
الدائمة بما هي الكافور ، فيجدون أضعاف ما كانوا يجدونه سرورًا وحبورًا ، ووجد
نعيم وملك كبير ، وقد تسرع هذه بشرابها إلى ذلك من حيث هي راح على ما هي
عليه من صفات الحساسة ووصف التخلف ، كما قال قائلهم:
ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدًا ما ينهنهنا اللقاء
يتأكد ذلك فيما هنالك ويتحقق جدًّا في صفاتهم ، وعند الزيارة يسقون شرابًا
طهورًا بها يزورون ربهم - عز جلاله - يطهرهم من معاني الغيرية الموجودة بهم في
الجنة ، هو مشتمل على خاصة كل شراب تقدم لهم ، وعلوها ومزيد فضلها على قدر
ما بين الموطنين والشرابين: فتفعل هذه العليا بهم من أخذها إياهم عن معهودات
الجنة ما فعلت خمر الجنة بهم عن معهودات ما عهدوه من أمور الدنيا التي صارت
بها خمر الدنيا الآخذة بهم عن معهوداتها سفلًا ، فترتفع صفاتهم توحيدًا وعلمًا
ومعرفة وإفرادًا وإجلالًا وإكبارًا وحياءً وشوقا وتوقًا إلى بارئهم - جل ذكره -
لخاصة له جعلها لها ، وسمى هذه: شرابًا ، ولم يسمها: خمرًا ، إلا بحكم العموم ،
والله أعلم بقدر ذلك ، لا إله إلا هو العلي الكبير .
قوله - جلَّ جلالُه -: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ(50) . يعني: في
مجالسهم من الجنة ، كما قال: (إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ(47) . فهم
يتساءلون عن أسباب هداياتهم وعن أئمتهم في ذلك وقرنائهم .
(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (56) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (57) أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ (58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (59) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (60) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) .
(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا
تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) . أي: لمجازون، ذكر أهل التفسير