الوازع: هو المعدل للصفوف والذي يحبس الأول حتى يلحق الآخر ،
وهؤلاء ترعهم الملائكة ، يلحقون الآخر بالمتقدم ، فإذا جاءوا إلى السؤال (قَالَ
أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي ... (84) . فهذا صنف هم الكافرون ، ثم قال: (وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) فهذا
صنف هم الغافلون (أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) هؤلاء العلماء ، كما قال - عز وجل -:
(وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) فتكون المطالبة لهؤلاء على تكذيبهم
بآياته والمطالبة لهؤلاء على تضييعهم العلم بها .
كما قال: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا
وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ).
فاعلم أنهما صنفان يلحق بعضهم ببعض وإن تفاوتت المنازل فيما هنالك في
عذاب الله - نعوذ بالله من عذابه - فيطالبهم على التضييع كما طالب أُولَئِكَ على
التكذيب ، فيسألهم لِمَ لم تؤمنوا بآياتي ؛ لِمَ لم تطلبوا العلم بها ؟ وإذ لم تعلموها لِمَ
كذبتم بها ؟ وإذ علمتم لِمَ لم تؤمنوا ؛ لِمَ لم تنيبوا ؛ لِمَ لم تعملوا بما علمتم ؟ .
يقول الله - جل من قائل: (وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ(85) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86) . أي: على الموت والحياة بعد الموت ، وعلى
وجود اليوم الآخر وما فيه من اللقاء الكريم والتجلي العلي ، وبوجود الجنة وما فيها ،
السكن مقال للموت ، والنهار المبصر دليل على الحياة ، والمبصر الذي يبصر فيه ،
فكذلك الآخرة هي دار الحيوان ، فيها تجتمع الحياة والعلم ويدارك الذكر ، يقول:
قد كان لهم في تعاقب الليل والنهار آيات على الحياة بعد الموت والآخرة بعد
الدنيا وعلى لقاء الله - جلَّ جلالُه - لكن ذلك هي آيات لقوم يؤمنون .
(وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ(87) وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ