نظم بذلك قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى
الْعَرْشِ ... (4) . هذا تبيان للأربع الصفات التي تقدم ذكرها وشرح للجملة ،
وحق للجملة أن تكون مشاهدة لمن استوى على العرش فحييت به الجملة وقامت
بأمره ، وتواصلت وتعاطفت لرحمن حي قيوم ، لا إله إلا هو العلي الكبير ، يتخللها
الروح من أمره عُلُوًّا وسفلًا ، ظهرًا وبطنًا ، أولا وآخرًا ، سرًّا ، فهو فيها جميعًا بما هو
لا بما هي ليست له بمعنى المكان والحال ، وحق لمن كان هكذا أن يكون مع كل
شيء ومشاهدًا لكل شيء ، وحاصرًا لكل شيء بعيدًا عنها بما هي ، فالأمكنة لا تحيط
به والأزمان لا تحصره ، سبحانه وله الحمد(وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ
قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ)إلى قوله: (فِي
كِتَابٍ مُبِينٍ (61) .
قوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ(5)
تعريض بملك الآخرة وما يؤول إليه ملك الدُّنْيَا إلى ما وراء ذلك وكل ذلك له .
أتبع ذلك قوله: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ ...(6)
يتوجه هذا إلى معنيين:
أحدهما: ما يزيد من نهار الصيف في ليل الشتاء ، وما يزيد من ليل الشتاء في
نهار الصيف .
والوجه الآخر: معنى قوله: (وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ) فعلى
هذا يكون الليل في ضمن النهار باطنًا فيه ، والتكوير هو أن يتبع هذا هذا وهذا هذا ،
ثم ختم بقوله: (وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(6) .
(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ(7) وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8)