أتبع ذلك قوله: (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) هذا عموم المراد به الخصوص ، فإن
ملك سليمان لم يكن مما أوتيته ، وهذا جار في كلام العرب ، وهو راجع إلى مراد
قائله ونيته فيه ، ثم قال: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) عرشها موضع مقعدها في
هيئة الملك ، وقد يعبر بالعرش عن الحال والمنزلة والمرتبة ونحو هذا ، والأصل ما
ثم قال: (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ ... (24) . إلى آخر المعنى ، في هذا من الفقه أن
الطر وما دون الإنسان والجن من العوالم قانتة لله - جل ذكره - لا تعبد إلا إياه ولا
تسجد إلا له .
قال الله - جلَّ من قائل:(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي
الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ)ثم قال:(وَكَثِيرٌ مِنَ
النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ)ولذلك أنكر الهدهد سجودها وسجود
قومها للشمس من دون الله ، وقال:(وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ
السَّبِيلِ)ويمكن أن يكون من قوله: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ) إلى
السجدة من قول الهدهد ، فحكاه اللَّه - جل ذكره - عنه ، ويمكن أن يكون من
قول الله - عز وجل - والله أعلم بما نزله - لكن السلف تلقوه على أنه من كلام الهدهد
لاتصاله به .
وفي هذا الكلام تقديم وتأخير ، وتقديره - والله أعلم: وزين لهم الشيطان (أَلَّا
يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا
تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) . (فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ)
أي: لما اتبعوا الشيطان زين لهم سوء أعمالهم ، فاحتجب الحق عنهم
وضلوا عن السبيل ، فهم لا يهتدون .
وقرأ الكسائي:"ألا يا اسجدوا لله"على معنى:"ألا يا هؤلاء اسجدوا".
وروي عنه أنه قرأ:"ألا يسجدون"وهذا متعلق منتظم بقوله:(وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ)وفي قراءة أبي:"ألا يسجدوا لله الذي يعلم سركم وجهركم"
وما تعلنون"وروي عنه:"ويعلم ما تسرون وما تعلنون"وقرأ عيسى بن عمر وابن"