مع كل ألف سبعون ألفًا - أو سبعمائة ألف - بغير حساب ، أول زمرة منهم صورهم
على صورة القمر ليلة البدر ، ثم على أشد كوكب إضاءة في السماء"جعلنا الله"
منهم وألحقنا بهم في الدنيا والآخرة في ستر وفي عافية ، ثم ذكر الذين كذبوا
وكفروا ومآلهم .
قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ
فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ ... (20) . المعنى إلى آخره ، هذه هي الدنيا
التي عاقبتُها النار وسوء المصير ، وما كان منها وفيها إيمان بالله ورسله وطاعة له
وطلب لرضوانه ، فهي على التحقيق آخرة وعاقبتُها الجنة وحسن المآب ، فإن الله - جلَّ جلالُه -
إنما أخرج أبانا آدم - عليه السَّلامُ - من الجنة بعد أن خلقه فيها ، وكانت تلك أول درجة فيها .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى(118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا
وَلَا تَضْحَى (119) . فلما واقع المعصية ، أزلهما عنها إخراجًا لهما عنها
وحبسهما في هذه ، ثم قال له ولعدوه: (اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى
فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا
أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39) . ووعدهم بأنه من اتبع
هداه فإنه لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ، ثُمَّ يأجره في الدنيا .
يقول الله - جل من قائل: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ
وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى (124) . ولما أوعد بالمعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره
كان مفهوم الطرف الآخر طيب المعيشة ، بيَّن ذلك في موضع آخر من كتابه العزيز
بقوله الحق: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) .
ثُمَّ ما قد يصيب المؤمن من بلاء وامتحان ؛ فذلك أيضًا لحكمة بالغة منه في
ذلك ، يكفر عنه بذلك سوء عمله أو يرفعه إلى أرفع من مبلغ عمله ، فافهم .
يقول الله - جل من قائل: (وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ) لمن أعرض عن ذكره