بنا الكلام إلى ما كنا فيه ، ومما يؤيد على تعرف ما كنا بسبيله النظر في قوله - جلَّ جلالُه -:
(حم(1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) إلى
قوله جل قوله: (الغَفُورُ الرحيمُ) إلى قوله جلَّ قوله:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ).
وقرئ هذا الحرف:"كذلك يوحَى إليك"بفتح الحاء على بناء مفعول لم يُسمَّ
فاعله ، فيكون قوله جلَّ قوله: (اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(3) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي
الْأَرْضِ) إلى قوله جلَّ قوله: ( الغَفورُ الرَّحِيم ) من
مفهوم ما ( أوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ) .
ويؤيد هذا قوله:(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا
الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ)إلى آخر المعنى .
قوله - جلَّ جلالُه -: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ ...(5) . أي: يطوون
ويخفون ما في صدورهم من بغضة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإقامة على كفرهم ،
فيستخفف من الله - جلَّ جلالُه - بذلك ، ويظهرون الوداد والإيمان وبواطنهم على ما يعلمه الله
من نفاقهم وخلافهم ، و (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) كما قال جلَّ قوله:
(يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ(167) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا
وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) . أعلم جلَّ ذكره أن كل دابة في الأرض
على الله رزقها ضمان منه وهو العلي الوفي ، وكما هو رازقها هو خالقها
ومدبرها وهو العالم بها ، وفي مستودعاتها ومستقراتها في الطون والأصلاب ،