قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا ...(14)
المعنى إلى آخره ، أنشأ - جلَّ جلالُه - يقص علينا تبيان ما ابتدأ به
السورة من ذكر المجاهدة ، فذكر أئمة المجاهدين في سبيله نوحًا وإبراهيم ولوطًا
وشعيبًا - صلوات الله وسلامه على جميعهم - ويصف في ذلك ما لقوه من الإذاية
في الله والبلاء ، وما لقى أتباعهم من الفتن ، وما صابروه من الابتلاء ، فذكر أن نوحًا
لبث في قومه يجاهدهم بلسانه على التبليغ عن ربه - عز وجل - المدة التي ذكرها ، ويدعو
قومه إلى الله - جلَّ جلالُه - يجاهدهم في الله ، ويصبر على سبهم إياه وإذايتهم له ، وتخلفهم
وعصيانهم واستهزائهم وسخريتهم .
وذكر إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ونصيحته ومحاجته في ذات الله وطرحه في النار ، وذكر
لوطا واستضعافهم له واستحقارهم إياه ، وشعيبًا - صلوات الله وسلامه على
جميعهم ثم ذكر أعقاب ذلك كيف أهلك المكذبين لهم ، وأنه أحاق بهم ما كانوا
به يستهزءون ، وأنه أخذ كلًا بذنبه ، وأهلكه بوصف كفره وجرمه ، ودلنا بالنظر إلى
مساكنهم على تحقيق ما قصه علينا من قصصهم ، وندبنا إلى تساؤل ديارهم ،
والتوقف بجرائمهم ، والاعتبار بهم بما استحقوا ذلك من ربهم ، وما الذي من أجله
هذا العذاب عراهم .
(فصل)
-الجهاد يكون باليد والسلاح وإظهار القوة ورباط الخيل: وذلك يكون
بالقدرة والألفة في ذات الله واجتماع الكلمة .
-ويكون باللسان: وهو التبليغ عن الله والتبيين لأمر الله ، والهداية إلى سبيل الله
على سنة رسول الله .
-ويكون بالقلب: وهو الإنكار والمجانبة والفرار ما وجد إلى ذلك سبيل ، وإلا
فمجرد الإنكار بالقلب ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل .
قوله وإلى: (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ(14) . كل ما أطاف
بالشيء وأحاط به فهو طوفان ، وطوفان هؤلاء كان الغرق لما علوا في الأرض
أغرقهم الله .