قوله - عليه السَّلام -: (أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ(54) .
يعد ذلك عليه ؛ أي: ما بشروه به من الولد على كبره على سبيل المعهود من السنة ،
كذلك قالت امرأته وصكت وجهها:"ألد وأنا عجوز عقيم"فأخرج قوله ؛(فَبِمَ
تُبَشِّرُونَ)مخرج الإبعاد ، وإلا فقد كانت البشرى منهم تقدمت حين (قَالُوا بَشَّرْنَاكَ
بِالْحَقِّ ... (55) . أي: هذا من أمر الله ، وبشراك هذه من عند الله ، كما قال - عز وجل - في غير هذا:
(كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ) (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ) أي: بكلمة الله ، يكون هذا
وهو الحق الكائن مقتضاه على سبق الكلمة خارجًا عن سبيل السنة ، والله يفعل ما
يشاء .
(فصل)
الظاهر من قول الملائكة أنه من ييئس أن يفتح الله في الأمر بما شاء من لطف
من سبيل السنة ، وإن بعد العلم به وتعذر توهمه في الوجود في نفوسنا أو بما يكون
من حكم الكلمة فإنه من القانطين ، كذلك أجاب - عليه السَّلام - بقوله: (وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ
رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) . أي: عن معرفة قدرته على إمضاء مشيئته بما شاء
وكيف شاء ، وانتظار ذلك منه .
ولما سرى عن إبراهيم الروع وتفرغ من اقتضاء البشرى بما فيها قال لهم:
(قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ(57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58)
نعم ، ثم أسثنى آل لوط بكونهم بالمدينة معهم مختلطين بهم على حكم
الجوار في القرية ، ثم استثنى من آل لوط المرأة ، لما اختلف حكم الإهلاك للقرية
والمرأة .
أما القرية فجعلوا عاليها سافلها وأمطروها حجارة من سجيل ، وهي حجارة
فيها من حكم سجين لما كانت في سجين لم يسيرهم إليه قبل يوم الدين ، اليوم
المعلوم يوم الجزاء الأكبر كانت حالهم التي أهلكوا بها واسطة بين حجارة السجين