وكافرون بقوله:(قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ
مِنْهُمْ)المعنى إلى آخره .
قوله تعالى فيما حكاه عن رسوله صالح - عليه السَّلام -: (قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46) . السيئة هنا
تكون بمعنى استعجالهم العذاب ، قولهم: (يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ
الْمُرْسَلِينَ (77) . ويكون بمعنى الكفر منهم والتكذيب لما جاءهم به من
الهدى والحق ، دلَّ على هذا التأويل قوله إثر هذا:(لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ
تُرْحَمُونَ) .
علم - عليه السَّلام - بما علمه ربه أن رد أمر الله وتكذيب رسله جالب لعذاب الله والخزي
في الدنيا والآخرة ، فحذرهم عاقبة ذلك ، وأن الله - جلَّ جلالُه - غير تارك أحدًا سدى ، وأنه قد
نصب الدنيا دار تحول وتقلب ، لا تبقي عافيتها ولا بلاؤها ، بل لذلك كله دوائر
محكمة وتدبير مبرم يسوق بعضها بعضًا .
فدوائر العافية تستاقها دوائر الهداية ، ودوائر الهداية تستاقها دوائر العافية ، كما
دوائر البلوى والانتقام تستاقها دوائر الظلم والتكذيب والكفران منهم ، ودوائر
التكذيب والظلم تستاقها دوائر الانتقام والبلوى من الله سبحانه ، ثم مزج المدبر
العليم القدير هذا بهذا وهذا بهذا ، فداخل بعضها بعضًا ، وبقي الأمر على الأغلب ،
ومشيئة الله من وراء ذلك ، ما شاء من ذلك كان وما لم يشأ لم يكن .
يقول لهم - صلوات الله وسلامه عليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين:(لِمَ
تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ)أي: بالكفر والتكذيب قبل الإيمان والاستجابة
(لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ) فتنقدون أنفسكم من حلول عذاب قد قرب
منكم ، وأن له أن يحل بساحتكم (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ ...(47) . هذا
جواب من لم يعقل الخطاب ، فلم يحسن الجواب ، إن من سنة الله - جل ذكره - في
المرسل إليهم إذا لم يقبلوا نصيحة الله ، وما بلغت إليهم رسلهم أن يأخذهم اللَّه
بالبأساء والضراء لعلهم يرجعون .
فلما أخذ الله هؤلاء بذلك حسبوه طيرةً وشؤمًا أحاط بهم من أجل رسول الله
إليهم ، فأجابهم - عليه السَّلام - جمع لهم المطلب كله لو عقلوا عنه (طَائِرُكُمْ) معكم ؛ أي: