كذلك المخلوقات كلها يتسرب إليها الفناء والعدم ويسبق إليها كاستباق الثقيل إلى
الهوي ، لولا يتسرب إيجاد الله وإتقانه وحفظه إليها أسرع من ذلك ما شاء أبقاها
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) .
فيمسك وجود الموجودات على ما هي عليه إمساكًا وحفظًا وكلاءة ، ودفاعًا على
المقدر الذي شاءه فيها من الوجود ، حتى لو توهم متوهم إزالة إمساكه هذا عن وجود
أي موجود كان لعارضه توهم وجوب ضد الإمساك ، ولو تخلى عنه أدنى طرفة عين
لتدمدم ما تخلى عنه هذا في إمساك الخلقة ، وأمَّا في إمساك الديانة والهداية والتوحيد
للمؤمنين هو السبب الموصل لهم إلى الله - جل ذكره - فلو توهم متوهم أيضًا إزالة
التوحيد عن الموحد لعارضه أيضًا وجوب ضد التوحيد وهو الشرك .
ولو كان لتدمدم وتدكدك دينه وتل عرشه ، وإلى هذا الغرض أشار بقوله الحق:
( وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ
سَحِيقٍ (31) . سماؤه هو توحيد في التأويل ، وتخطف الطير له تضليل
الشَّيَاطِين له واستهواؤهم إياه ، وتأويل الريح التي تهوي به: الأمر المبعد عن ربه -
عز جلاله - والمكان السحيق: هو جهنم ، أعاذنا الله برحمته منها .
يقول: يموت فيصير إلى جهنم ، والسحق البعد ، ولا أبعد ممن هو في النار
الهاوية الحامية لمعهود هذه الدلالة وظهور شأنها ، قال - وهو أعلم: (وَكَذَلِكَ ...(16) . كبيان
هذا (أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) ، ثُمَّ فتح"أن"تقدير الكلام فيها: أنزلناه آيات بينات ، وفيه
(أَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ) لا يهتدي أحد من ذات نفسه ، كما أنه ليس أحد يحفظ نفسه
إلا كسًبا للحفظ ، الله يحفظه ويحفظ حفظه هو نفسه (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96) .
قوله - جلَّ جلالُه -: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ... (17) . هذا الكلام راجع معناه
إلى تطوير الناس في تحملهم في صدر السورة (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ)
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ) .
ثم عم قوله - جلَّ جلالُه -: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ...(18) .
إلى قوله: (وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) انتظم هذا بمعنى ما تقدم