بطاعته ، واستحباب القرب والولاية والدخول في خاصة عباده ، فمن نظر في آياته
التي أودعها الصنعة وتفكر في الحكمة آتاه علمًا وحكمًا ، ومن توقى مناهيه واجتنب
محارمه فهو من المتقين ، ومن استعمل نفسه بهما وشغلها بما يرضيه وحافظ على
ذلك ووافى عليه فقد لبس التقوى ، واستجاد حلتها وريطتها وسربالها .
(فصل)
لما قال الله عز من قائل: (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)
جعل - جلَّ جلالُه - يسرد ذكر آياته ويبينها ، ونواهيه وأوامره ، ويوقف على
حدوده ، فقال جلَّ قوله: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ...(188)
يعلم بذلك أن حكم الحاكم لا يحلل حرامًا ولا يحرم حلالًا .
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ...(189)
زيادتها ونقصانها واستوائها ، فأجابهم:(هِيَ مَوَاقِيتُ
لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)كما قال - جلَّ قوله - في موضع آخر:(لِتَعْلَمُوا
عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ) .
(وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ
أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وهذا منتظم معناه ما تقدم من قوله
جلَّ قوله: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) .
وذكر نقلة الحديث أن يب ذلك مذكور في الحديث ، قيل: كان أحدهم متى
خرج في حاجة فلم تنقضِ له دخل بيته من ظهره ولم يدخل من بابه ، والفائدة في
هذا النهي: ألا يأتي أحد أمرًا إلا من قِبَل وجهه ومن حيثما أتاه ، فتلك سنة الله جلَّ
ذكره في مخلوقاته في الدين والدنيا .
ثم ذكر القتال في سبيل الله والإنفاق ، وجعل الحد في رفع الجهاد من الفتنة ،
وأن يكون الدين لله ، ذكر - جلَّ جلالُه - هذا هَاهُنَا يخاطب بذلك الرسول وأصحابه ، عليهم
السلام .
وقال جلَّ قوله في موضع آخر من كتابه العزيز: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ