المكر فعل في اختفاء عن الممكور به يراد به السوء والإذاية ، فجزاء الله
جل ذكره إياهم على ذلك هو المكر منه ، وهو أن يذرهم في طغيانهم يعمهون ، ولما
زيَّنه لهم الشيطان - لعنه الله - لا يتداركهم منه بتوبة ولا ندم ، سمى الله جل ذكره
هذا الفعل منه بهم وشبهه مكرًا ؛ لقصدهم البغي والفساد ، كما سمى اللَّه القصد باسم
المقصود به ، والفعل باسم المراد بذلك الفعل كذلك سمى القصد منه إلى تسوية
السماء سبع سماوات استواء ، وسمى فعله المقصود تسوية الجملة خلقًا وأمرًا
استواء ، كذلك سمى الجزاء على المكر منهم مكرًا منه ، وهو تركه إياهم في عمه
ضلالهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وهم الأخسرون أعمالًا ولا يشعرون .
عبر عن ذلك تعريضًا به قوله جل قوله:(يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ
الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ)أي: عقبى دار الدنيا ، ومتى أطلق اسم العاقبة
فظاهره أن المراد به الخير ؛ كقوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى) (وَالْعَاقِبَةُ
لِلْمُتَّقِينَ)فعقبى دار الدنيا لمن آمن ما في الجنة إن شاء الله تهديد
ووعيد ، وعقبى الدار خير الدار الآخرة ذلك هو عقبى الدار الدنيا ، والجنة عاقبتها ،
والعاقبة إذا أطلق لفظها فهو الخير .
قوله جل قوله: (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(128) . ألا تسمع إلى قوله - جلَّ جلالُه -:
(أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ(22) .
ثم قال جل قوله:(جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ
وَذُرِّيَّاتِهِمْ).
قوله تعالى: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (43) .
لما كذبوا رسالاته وشكوا فيها طلبوا منه