بِمُنْشَرِينَ (35) . قد علموا أنهم يموتون إثر هذه الحياة الدنيا كما مات
آباؤهم الذين سألوا إرجاعهم ، فالموتة الأولى هي إذن الموتة التي أعقبتها هذه
الحياة ، ثم قالوا مع هذا (وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ) فقد أقروا بالموتة
الأولى وبالإحياء منها وبالإماتة من هذه الحياة ، وأنكروا البعث والنشور ؛ أي: بعث
الأجسام ونشرها مرة أخرى كما قالوا: (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ(47)
فإذن إنما أنكروا خلق الأجسام ثانية والمجازاة ، وهذا مقال الدهرية ،
يقولون: إنهم يحيون ويموتون ثم يحيون ثم يموتون لآماد ذكروها .
حكى الله - عز وجل - ذلك في كتابه عنهم بقوله الصدق: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا
نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) . وفي غير هذا الموضع:(وَمَا
يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ).
يقول الله وقوله الصدق ووعده الحق لرسوله - عليه السَّلام -: (قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ) أي: هذه
الحياة عن الموتة التي كانت قبلها (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي:
للجزاء بأعمالكم (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(26) . أنهم مجازون ، فمن
قال ممن يب إلى الإسلام والإيمان بما جاء في كتاب الله أن الأجسام بأعيانها
ليست المعادة فقد غلط وأخطأ قول الحق ، بل الله العليم القدير خالقها مرة أخرى
ومعيدها للجزاء على ما هي عليه من البلاء ، وكونها في التراب والأجواء وظلالها
في وجود الموجودات إن ربك عليم قدير .
ولأجل هذا اغتبط السعداء - رضي الله عنا وعنهم - في مقامهم الأمين ، حيث
قال منهم القائل: (إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ(51) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (52) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا
تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (53) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (54) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55) إلى قوله:
( قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ(56) . إلى قوله لأصحابه المكرمين - رضي الله
عنا وعنهم: (أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ(58) إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَى). يعنون
التي كانت قبل هذه الحياة ثم ماتوا عنها يقولون التي بقيت علينا ظواهرها:(وَمَا
نَحْنُ)فيها (بِمُعَذَّبِينَ) كما هم الآن أُولَئِكَ (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ (60) .
يقول الله - عز من قائل: (لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ(61)