السعيد - رضي الله عنا وعنه - قوله لما (قِيلَ) له (ادْخُلِ الْجَنَّةَ) ساعته
تلك (قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ(26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) .
فأخبر أيضًا - عز جلاله - عن المهلكين الأشقياء أنهم الآن لديه (مُحْضَرُونَ(32)
أي: للعذاب ، ثم جعل بعد هذا ينسق ذكر البراهين على وجود هذا ويبين
الآيات ؛ على أن الوجود كله متناسق على تصحيح هذا الشأن يظهر مظهرًا وقد
أبطنه ، ثم يظهر متى شاء ذلك المبطن ويبطن ما قد كان أظهره على هذا رتب
اختلاف الليل والنهار ، وجريان الشمس والقمر في صعودهما في البروج ونزولهما ،
والمحاق والزيادة وسجودهما حال جريهما وجريهما حال سجودهما إلى آخر ما
أخبر عنه .
"اللام"في قوله: (لَمَّا) للتأكيد ، و"الميم"لنفي ، وبعد هذا محذوف مقدر ،
تقدير الكلام: وإن كل لما هم لنا بمعجزين ، بل هم جميع لدينا محضرون ؛ أي:
ألآن ، وقد قيل: إن معنى"لما": إلا ، فيكون تقدير الكلام: (وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا
مُحْضَرُونَ (32) . وكان ذلك يكون وجهًا لولا أن اجتماع لفظتي كل وجميع في جملة
واحدة غير متوجه ، لا سيما على هذه المقاربة: وليس هذا من معهود حسن العبارة
وبخاصة براعة القرآن الحكيم وحسن سرده وسراوة نظمه ، والمحذوف في
القرآن غير منكر ولا هو قليل الوجود ، وكيف لا ؟! وهو مطلعه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:
"أوتيت من الحكمة مثلما أوتيت من القرآن".
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ(33)
هذه آية إحياء البعث ، أنزل الله الماء من السماء فيحيي به الأرض بعد
موتها بالنبات والجنات والأشجار والثمرات ، استحقت وصف الحياة لما فيها من
موجود دار الحيوان وبما هو من إيجاد الحي الحق ، وكذلك كل شيء .
قال الله - عز من قائل: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا