قال: (وَهُوَ الْخَلَّاقُ) أي: على الولاء ما من موجود سماء أو أرضر أو فلك أو ملك
أو إنسان أو جان أو هواء أو ماء أو دنيا أو آخرة إلى غير ذلك إلا وهو يجدده إيجادًا
بعد إعدام أبدًا على الولاء ، إذا شاء إبقاء الشيء أخلف المثل ، وإذا ساء تغيره أخلف
الشيء الغير ، وإذا شاء إعدامه أخلف الشيء ضده ، فهو (الْخَلَّاقُ) على هذا التأويل
(الْعَلِيمُ) بما يأول إليه معدوم كل شيء ومن حيث يخترع بوجوده .
ثم جمع أطراف الكلام بقوله الحق: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(82)
إذا شاء تعجيله دون مهلة أخرجه مخرج الكن ، وإذا شاءه على
حكم السنة أخرجه بأسباب وأواسط قد وكلهم إلى ذلك (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ)
عبر عن ذلك بقوله: (فَيَكُونُ) .
(فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(83) . الملكوت
عبارة عن: أعمال الملائكة - عليهم السلام - في مصافاتها ، وتصرفهم في تخليق
المخلوقات ، وهو معدول من ملك كرهبوت من رهب ، وجبروت من جَبر ،
ورحموت من رحمة .
وقد تقدم من تفسير قوله: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا)
ما يشرف باللقن اللبيب على سواء السبيل سبحانه وله الحمد ، وعلى
ملائكته الكرائم أتم السلام ، هم بأمره يعملون وبأمره ورضاه ، يشفعون له في إتمام
ما قد شاء إتمامه على ما سبق في مشيئته وعلمه العلي ، فهو الخالق الحق كما قال:
(خَلَقَكُم وَمَا تَعْمَلُونَ ) وهم العاملون بأمره وإقداره إياهم (وَهُوَ
الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (81) . أبدًا على الدوام ، وهو الذي لا حول ولا موجود سواه ،
ولا قوة إلا به ، هو الحي القيوم ، يمسك السماوات والأرض ويمسك كل شيء على
وجوده الذي أراده به (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ(79) .
هو الأول في كل شيء والآخر ، والظاهر فيه والباطن ، وهو مسبب الأسباب
وموسط الوسائط وموجدهم وموجد قدرهم وجميع صفاتهم (لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ
ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3)
ما ينقصه من الموجودات في كتاب وما يخلفه في كتاب وما يمسكها عليه
-أعني: الموجودات - من حد وحال وكيف ولم وعن وعلى كل وجه وبكل معنى