كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ... (112) .
المراد الأول بهذا المثل: مكة وأهلها ، وأنعم الله قبلهم هي الرسالة والرسول
وما جاء به ، وما في ذلك من جزاء وثواب لو أنهم آمنوا واتقو: وكونها مرزوقة
مطمئنة ما عبر عنه قوله - عز وجل -:(أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ
شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا)ولما أخرجوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابهم الجوع
والخوف .
والمراد الثاني: وهو أولى بمعنى المثل ، وما ضربه مثلا جملة الأمة كانت بعد
فتح الله عليها ونصره إياها آمنة مطمئنة لنصر الله إياهم على عدوهم رغدًا من كل
مكان يأتيها رزقها بما كان يفتحه الله لما من المغانم والأنفال والفيء وأنواع مال الله ،
فكفرت بأنعم االله بطرت وأشرت ، ولم تشكر النعمة ، وطال عليها الأمد فقست
لذلك القلوب ، ورانت عليها الغفلة ، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف من جور
ولاتها وغلبة عدوها إياها (بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112) . من ظلمهم
وعداوتهم ونسيانهم كثيرًا مما ذكروا به .
(وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ ...(113) . فهذا لمكة ، ثم للأمة كذبوه بأفعالهم وإن
صدقوه بإقرارهم (فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ) هذا للأمة .
ثم استمر على توجيه الخطاب إليها بقوله (فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا
وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114) . أْي: إن ذلك الجوع بسبب
كفرهم ، فاتركوا الكفر حتى تأكلوا .
(إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ(115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) إِنَّ