قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ...(51) . يريد جل ذكره يهود
(يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) صنمان يعنيهما .
وقالوا: الجبت: السحر .
وقالوا: هو السحر بلشان الحبشة ، وربما كان مشتقًا من جاب يجوب جوبًا ،
وهو القطع أن يقطع الحق بالباطل إلى أهوائهم ، كما قال - عز وجل -: (وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا
الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) . قطعوا الصخر وأجروا فيها الأودية إلى مقاصدهم ، [فكل ما]
تعدى الحق فقطعه ، فهو جبت .
والطاغوت مأخوذ من الطغيان ، والطغوان لغة فيه ، قالوا: والتاء زائدة للمبالغة
كملكوت ورحموت وجبروت ورهوت ورغبوت ، وكل ما خالف الحق فقد طغى
وأوقع الطغيان ، ولا خلاف للحق أعظم من اتخاذ إله من دون الله ذلك هو الضلال
البعيد ، وكل ما عُبد من دون الله ، وكل فعل فعِل مخالفًا لأمر الله - جلَّ جلالُه - ، فهو طاغوت .
انتظم معنى قوله فيما حكى عنهم: (هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا(51)
بمعنى قوله - جل قوله - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -:(انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ
الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا).
أخرجهم عن التوحيد بقوله جل قوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ)
يعني: (لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ) يعني: الكافرون (أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا)
وذلك أن قريشًا استفتوهم في شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا: أنتم أهل
دين ونبوة ، فما تقولون في دين محمد وديننا أيهما خير ؟ فقالوا لهم: دينكم أفضل
من دين محمد ، وأنتم أهدى من الذين آمنوا سبيلا ، فجعلهم بذلك مؤمنين بالجبت
والطاغوت أولئك الذين لعنهم اللَّه ، كما كتموا ما عندهم من صحيح نبوة محمد
-صلى الله عليه وسلم - .
ولهذا أنزل الله - جلَّ جلالُه - لعنهم في التوراة ؛ أي: بعدهم عن فهم كتابه وتصديق
رسوله ، فلم تنفعهم أبصارهم ولا أسماعهمِ ولا أفئدتهم لما لعنهم الله ، كما فعل
بغيرهم الذين قال فيهم جل قوله: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا
أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) .