أتبع ذلك قوله حاكيًا عنهم: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ(44)
أي: نحن كثير ننصر من أرادنا بسوء .
(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ...(45) . أي: في الدنيا ، فهزموا يوم بدر (وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)
ثم أضرب عن ذلك بقوله: (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ ...(46) . انتظم هذا الخطاب بعموم من
تقدم ومن تأخر .
يقول - جل من قائل: دع عنك ذكر ما أصابهم في الدنيا وما يصيبهم من
عذابها (بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ(46) .
قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ(47)
الضلال منهم كونهم في الحياة الدنيا ضالين عن الهدى ، كافرين مكذبين ، وهم في الآخرة في
سعر ، وهو سعار النار ولهبها (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) .
(يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ...(48) . وصف كونهم وحالهم في السعر
(ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ(48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) . والأظهر أن هذه
الآية نزلت في القدرية ومن أخذ بمأخذهم ، ولقول قريش وكفار العرب:(لَوْ
شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا).
(لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ) .
فجوابهم عند مسيس العذاب: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ(48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)
يقول: اصبروا إذن على العذاب كما كنتم تصبرون على مشيئة الله
-جلَّ ذكره - في شرككم وكفركم ، ولما ذكر المجرمين أعقب بذكر المتقين فقال:
(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ(54) .
أي: في جنات وضياء وسعة ، ويقرأ:
"وَنُهُرٍ"جمع نهر ، أنهار من ماء ، وأنهار من خمر ، وأنهار من لبن ، وأنهار من عسل
مصفى ، ونهر بمعنى: أنهار .