خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7) وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)
أول هذه السورة منتظم بالسورة التي تقدمت في أنهما معًا للتذكار والذكر ،
وخاصة جل هذه في التذكير بالنعم والآلاء ، والإعلام بآثار الله جلَّ ذكره وحكمته ،
ودلالاته على موجودات الآخرة عبرة إليها من موجودات هذه الدار ، ولما انقسم
الإعلام باسم اليقين في آخر الحجر إلى الموت وإلى ما هو وعد الله بالنصر والتأييد
وإظهار الدين ، وكل ذلك يشمله اسم الأمر قال - عز وجل - في مفتتح هذه: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ...(1) .
وإتيان الأمر على أنحاء:
فمنه: ما يكون يومه خمسين ألف سنة .
ومنه: ما يكون يومه ألف سنة .
ومنه: ما يكون كيوم من أيامنا هذه ، وكلمح البصر ، وما هو أقرب ، يقال:"أتى"
الشيء"إذا أتت أوائله وتباشيره ، وأتى الشيء نفسه ، والمراد بالإخبار عنه في هذا"
الموضع والله أعلم: هو الساعة نفسها ، وانقراض الدنيا ، ومن أشراطها: رسالة محمد
-صلى الله عليه وسلم - فمن أشراطها يومئذٍ: ظهوره ، إذ لا نبي بعده ، وكانوا يستعجلونه بالعذاب الذي
كان ينذرهم به كما كان يفعل بمن كان قبله ، أي: من كان قبلهم من الأمم بالرسل
صلوات الله وسلامه عليهم .
وعلى هذا فيكون معنى قوله: (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ) أي: بنصره ورسوله وظهور دينه ،
ومن أوائله مجيء رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ، عبَّر عن هذا المعنى وعما هو عنده الأولى
قوله: (فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ(1) يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ
عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) . واتصل بهذا
المعنى قوله: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
وكان كثيرًا ما قدم ذكره في الكتب قبله وأنطق ألسنة الرسل على نوب جياءتهم