المراد به وله .
وشأنه - جلَّ جلالُه - في المؤمن أنه عنه يفهمه ومنه يعلمه ، فكيف به إذا رفعه إلى منزلة
النبوة والرسالة ، فأسمعه - جلَّ جلالُه - كلام ملائكته - عليهم السلام - جهارًا ، أو عوده
محادثته وتكليمه باطنًا سرا إلى سر سره ، وتعاهده بأن يثبت في روعه ، فأزح -
وفقك الله - الارتياب وترقَ صعدًا في الأسباب .
بل كان سؤاله الآية - عليه السَّلام - والله ونبيه أعلم - أن يعرفه أول تكوين الولد ،
وحين استقرار النطفة مقرها ، وأن يجعل له على ذلك آية ، فيحدث عند ذلك من
الذكر والشكر ما يوافق ذلك ويطابقه ، فجعل - جلَّ جلالُه - آية ذلك أن يصاب بما يمنعه
الكلام ثلاثة أيام سويًا ، أي: وهو سوي الصحة .
واستثنى - عليه السلام - من الكلام الرمز والإشارة والإيحاء ، فلما أصابه - عليه السَّلام - ذلك علم
أن النطفة قد علقت ، وأن الكون قد توجه إليها ، وأمره - جلَّ جلالُه - في تلك الحال ملازمة
الذكر والتسبيح بكرةً وعشيًّا شكرًا لله جلَّ ذكره على ما أولى ، ليكون المزيد في
النعمة حال الخلقة من قبيل الشكر عليها ، وهو الذكر لله تعالى والعمل بطاعته ،
فأخرج الله جلَّ ذكره المطلوب الذي كان الشكر من أجله من قبل ذلك طهارة
وطاعة له ، ولم يجعله جبارًا عصيًا .
ألا ترى أنه - جلَّ جلالُه - عقل لسانه عن الكلام الذي هو أشد أعضاء الإنسان تفلتا إلى
المكروه ، وحرس عليه التسبيح والذكر ، فكانت تلك آية على المدلول عليه بها من
نحو ذلك ، فافهم والله عليم حكيم .
(وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا(15) . كان - عليه السلام - قُتل
شهيدًا فهو حي بعد ، وإنما يموت في مستقبل الأمر ، (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) إشارة إلى
المعنى بتسميته بيحى (وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) يوم البعث الآخر .
قوله تعالى: (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42)
كرر - جلَّ جلالُه - وتعالى علوه وشأنه ذكر الاصطفاء في