وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) . يقول:
لولا تعليمنا إياكم .
واعلم أن هذا المعنى المشار إليه ينشأ من لدن أدنى ما عبرت عنه الكتابة إلى
أن يعبر عن كلام الله - جل ذكره - وفهم مراده في الكتب المنزلة سواه ، ثُمَّ ينشأ
ذلك إلى معرفة ما هي هذه الحروف المقطعة التي هي حروف هذه الكتب آيات
عليها ، ثم إلى حروف الكتاب المبين الذي هو اللوح المحفوظ ، فإنها أفصح عبارة
وأوضح دلالة وأنور تبيانًا ، مما تقدم على مقدار ما بين الحروف والحروف من
خصوصية ورفعة وكذلك العلم بمفهومها .
وذلك المشار إليه المعبر عنه بأنه الهبة والمنة ينشأ التفاضل فيه من لدن أقل
الناس معرفة بقراءة الحروف ومعرفة المراد من المكتوب بها إلى العلماء بذلك ، ثم
إلى علم الملائكة - عليهم السلام - بمكتوب الكتاب المحفوظ ، ومعرفة ما عبرت
عنه حروف كتابته .
وأمَّا علم الله - جل ذكره - بالكتابة والمكتوب فكعلمه بمشاهدته ما ذكر فيه
بتوابع ذلك المعلوم وباطنه وظاهره نظرًا وسمعًا وعلمًا ، ولا يحل اعتقاد حدوث
الزيادة في علمه ولا النقصان ، بل هو شهود حق وعلم حق (عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي
كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) .
قوله تعالى: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(3) . ينتظم هذا
بما تقدم ذكره في غير هذه السورة من ذكر تعزيته إياه ، والتهوين عليه من قلة
استجابتهم وتوليهم عن الذكر ، يقول: لعلك مهلك نفسك من أجل تركهم الإيمان
بما جئت به ، ومفهوم ذلك: أنا لم نرد إفهامهم ولا إيمانهم ، فلا يحزنك منهم ، لو
شئنا ذلك لأتيناهم بآية تخضع لها رقابهم ، وينعدم لعزيمتها نفارهم ، ثم أكد ذلك
عنده بما يظهر من أحوالهم ، أوَلَا ترى أنهم (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ
مُحْدَثٍ ... (5) . أي: محدث الإتيان (إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) .
ثم قال - عز من قائل: (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ(6)
وعيد منه بالإهلاك الذي أصاب به سواهم من الأمم الماضية والقرون