وبوجه آخر: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ) أي: يدعوهم إلى الله كاد
المشركون (يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) عداوة له وجمعًا عليه والله يعصمه ويحوطه ، دل
على هذا التوجيه قول الله - جلَّ جلالُه -: (قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا(20) قُلْ إِنِّي لَا
أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) .
(إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(23) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) .
قوله - عز وجل -: (عَالِمُ الْغَيْبِ) وقرأ السري بن منعم:"علم الغيب"بغير
ألف إلى قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27) . قوله:(إِلَّا مَنِ ارْتَضَى
مِنْ رَسُولٍ). عام في المرسلين من الملائكة الناس ، والضمير الذي في
قوله: (فَإِنَّهُ يَسْلُكُ) : راجع - والله أعلم - إلى الرسول الملك يسلك من بين يدي
الرسول البشري ، رصد الشيطان مارد أو ظن أو تمنى يكون من الرسول يقدح في
خاطره مع الوحي أو قبله .
قال الله - عز من قائل:(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى
أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ. . . ).
(لِيَعْلَمَ) الله - جل ذكره - (أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ) أي: يعلم ذلك
واقعًا كما قد علمه سابق العلم أنه كائن ، وقرأ ابن عبَّاسٍ والزهري:"ليُعلم أن قد"
بضم الياء (وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ) يعني: الرسل من الملائكة والبشر(وَأَحْصَى كُلَّ
شَيْءٍ عَدَدًا)فيما لم يزل وفيما لا يزال ، وقرأه ابن أبي عبلة:"وأُحصِي"
كلُّ شيء عددًا"، على ما لم يسمَّ فاعله ، وقرأ أيضًا ."وأحيط بما لديهم"على ما لم"
يسمَّ فاعله .