تقدم ذكره من الشرح التي أضاء به البيت ؛ فتوهم الزيت الذي تضيء به السرج فهو
المنبعث والشجرة المباركة الزيتونة مثل للحق المخلوق به السماوات والأرض (إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) .
وقرأ ابن عباس وعبد الله بن عبيد بن عمير:"وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا"
فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنّة"مثقلة منونة على المصدر ، وقرأ مسلمة بن حارث:"مَنُّهُ""
بفتح الميم وضم النون والهاء مثقلة ، ويروى عنه: ["مِنَة"] بفتح النون ورفع التاء وكسر
الميم أي: ذلك [مِنَة] .
قوله تعالى: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(14)
هذا الخطاب حيث جاء وشبهه من الشيء المذكور
في قوله - جل من قائل: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)
وليس ينسخ ، وهو حكم يجيء ويذهب ، وعلى قدر القدرة على
الانتصار والموجد ، وكان نزل مثل هذا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة والمسلمون والإسلام
في ضعف ، ولما ظهر الإسلام بعد الهجرة وغلب - والحمد لله رب العالمين -
نزلت آيات الانتصار والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقتال والجهاد ، وتركت
هذه وأشباهها مسطورة في القرآن مرصدة لما عسى أن يدور من دائرة .
وقوله - جلَّ ذكره: (لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) . تنبيه لأولي
الألباب على صحة ما ذكرنا مع ما قد أوضحه الوجود فأيام الله للإسلام والمسلمين
هي دوائر حكمه لهم بالغلبة على أعداء الإسلام من سبيهم وقتلهم واستيلائهم على
أرضهم وديارهم وإعزاز الإسلام والمسلمين ، وهي بنفسها نقم من الله على أعدائه
وأعداء المسلمين ، ومن أيامه أن يبتلي المسلمين بتدوار الدائرة عليهم إدالة لأهل
الكفر عليهم ، وتنبيهًا للمسليين ليراجعوا أمرهم ويصلحوا ما بينهم وبين ربهم
بالتوبة ، فقوله: (يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) أي: لكم التي أتى
بها من النصر لكم والتمكين والإعزاز ، وإنما هو يدبر - جلَّ جلالُه - الأمر ويديل الأيام بين
الناس ليجزي العباد بما كسبوا من خير وشر ، لذلك نظم به: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا
فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) . فهذا وما كان في
معناه هو: النشء لا النسخ ، فافهم فهمنا الله وإياك .