يفصل عنها من الكثرة ، كقوله:(خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)لكنه استاق ذكر البنين والحفدة سياق تعداد
النعم ، والحفدة: قيل: هم البنات والأصهار والأختان ، وقيل: الخدمة والأعوان .
والحفدة أيضًا: بنو البنين ، وكل من أسرع في حاجتك وشمر إليها فقد حفدك ،
والحفد: الإسراع في الحوائج معونة ونصرة ، ومنه الدعاء[إِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو
رَحْمَتَكَ وَنَخْشَى عَذَابَكَ الْجِدَّ إِنَّ عَذَابَكَ بِالْكُفَّارِ مُلْحِقٌ].
أعلم في هذه الآية أن الكثرة عن الوحدة كما المفعول عن الفاعل ، كذلك الله
الواحد خلق آدم واحدًا فردًا ، وخلق منه زوجه ، ثُمَّ بث منهما ومن ذريتهما ما بثه ،
كذلك أنزل من السماء ماءً واحدا [طاهرًا] خالصًا ، فصَّله إلى ما فصَّله إليه ، المواجه
بالخطاب: المؤمنون ؛ إذ كان معنى صدر الآية والمقصود بها: تعداد النعم
[بالوحدانية] ، ولما أكمل ذكر ما أراد ذكره وأتى بأخبارهم وذكر ضلالهم صرف وجه
الخطاب عنهم .
يقول الله جل من قائل: (أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ) الذي آمنوا به هنا هو
جعلهم لله البنين والبنات والأنداد ، وتكثير الآلهة بغير علم ولا هدى من الله سوى
أنهم رأوا أنفسهم ذوي بنين وبنات وحفدة ، فأضافوا إليه مثل ذلك ، فهذا هو الباطل
الذي آمنوا به وكفروا بنعمته بأنه الواحد الأحد (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)
وبأنه رزقهم الطيبات ، وبأنه رزقهم البنين والحفدة والأموال التي هي زينة الحياة
الدنيا ، وآيات من عنده جعلها لهم معلمات على موجودات الجنة من طيباتها
وولدانها ووصفاتها وغلمان لهم فيها [....] .
أتبع ذلك بما هو في معناه قوله: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا
مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) . هذا الذي آمنوا به لم
ينفعهم بشيء وهذا تتميم للعبرة التي تقدمت ، وكان سياق هذه الآية فيه تقديم
وتأخير معناه على هذا ، ولا يستطيعون لهم شيئا ، لكنه لما لم يكن لمعبوداتهم شرك