على إساءتهم من أنواع كفرهم وتكذيبهم بالقارعة ، أي: بيوم القيامة ، فأهلكهم
بقوارع أحاقها بهم سلطها من عاجل عذاب يوم القيامة ، سخر ذلك عليهم لم
غيره لهم فتكون لهم رحمة ، كما سخر الفيحَين من جهنم في الدنيا فصيرهما لهم
في الدنيا بواسطة فتح رحمته جنات وأنهارًا وعيونًا وزروعًا ومن كل الثمرات ، بل
سخر عليهم ما قد أخرجه عليهم من عذاب ذلك اليوم وأصحبهم خزيه في دار
البرزخ ، ثم في اليوم الآخر يدخلهم أشد العذاب بما كانوا يكفرون .
(إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ(11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) .
نظم بذلك قوله - عز من قائل: (إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ(11)
أي: في الفلك (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً) لهم بحمل المتقين
في الجنة في الفلك تجري بهم في أنهارها تارة وتارة على مراكب البر ، كما قال:
(وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ(42) .
وتذكرة أيضًا للعلم بحياة البرزخ ، وطريق العبرة إلى ذلك: أن يتوهم الأرض
يومئذٍ وهي مغرقة بالطوفان ، وقد هلك بها من هلك ويسر الله - جلَّ ذكره - لعباده
المؤمنين الفلك ، حملهم فيها ومن علمه في أصلابهم من حياة إلى حياة ، كذلك
الموت مدته فراق النفس الجسد ، ويخلق الله للميت حاملًا من ذات الميت إما في
نعيم وإما في عذاب يعبر بهم بحر الموت من الحياة الدنيا إلى الحياة الأخرى ،
جعل الله ذلك آية للعلم بذلك وتذكرة للقدرة الغائبة .
ثم قال: (وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ(12) . أي: يعجب بذلك أولوا الألباب