الوجود الآخر وموجوداته ، ولا يمتثلون الأمر المسموع بواسطة القرآن المبين ، وفاقًا
لمرضاء وجود الكتاب الأول ، ذلك لأنهم عدموا بركة المسموع والمرئي فهم
يعمهون .
قوله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ(6) . عطف
معنى الرسالة على ما في قوله المتقدم من معنى الوجودين الوحي والعالم ، يقول -
عز من قائل ، وهو أعلم بما أراده: يسألونك أن تأتيهم بآية ، قد كان كافيهم ما
يشاهدونه من الآيات في السماوات والأرض وما بينهما على وحدانيتي ، والشواهد
على رسالة المرسلين ونبوة النبيين ، وما بلغت إليهم الكتب وأعلمهم به الوحي
الكريم .
ثم عطف ذكر رسالة محمد - صلوات الله عليه وعليهم أجمعين - على ما في
تلك الجملة من معنى الرسالة فقال: (وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ(6)
الشاهد على ذلك لو يعقلون إعجاز ما جئت به زائدًا على أنك أمي لم
تكتب الكتب ، ولا تعلمت العلم ، ولا عُرفت بصحبة العلماء ، وعلى ذلك فإنك
جئت بما أعجز الجن والإنس ، ثم جعل يسرد ما قد أثبته في الكتاب المبين وخرجه
في الوجود ، وأجرى ذكره في القرآن المبين سماه مبينًا ؛ لأنه بين عما في اللوح
المحفوظ في الوجود ذكرًا وتلاوة .
(إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ(7) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) .
قوله تعالى: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا) المعنى إلى
آخره ،"إذ": ظرف لما تقدم ذكره من معنى رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - تقدير الكلام المعبر