ثم عطف - جلَّ جلالُه - بالواو في قوله: (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي: الهداية
العلا التي هي متضمنة الاختصاص الأكبر، والنعمة التامة والعلم العلي وولاية
المتقين، كما قال عز قوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) ثم قال:
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) أي: تبلغوا ذروة التقوى محل الصديقين والشهداء
والصالحين.
ثم أوصل ذلك بقوله جل قوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(152) .
أعلمهم - جلَّ جلالُه - بهذا الخطاب جماع طريق الولاية، وتبيين
الاختصاص والاستعمال والقرب، وأن هؤلاء هم المرادون والمنظور منهم، وأن من
سواهم يعيش في ظلهم ويحفظ بفضل شفاعتهم.
لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إي والله - قالها ثلاثًا - وإنهم لسبعون ألفًا"
وسبعمائة ألف"وإنما يتخلص إلى هذه المنزلة بعلي العلم وخالص الذكر الذي"
يكون عنه حقيقة الخضوع، وعظم المعرفة بالله جل ثناؤه.
قوله جل ثناؤه: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ(152)
معنى ذلك: من شاء منكم إقامة الكتاب والنبوة والوفاء بالعهد ليصل مني إلى تمام
النعمة عليه والتولي له، فليذكرني كثيرًا خالصًا على المداومة لذكري، واشتغال قلبه
بي، وليشغل جوارحه بشكري، وليباعد كفري صغيره وكبيره، فإنه من كان كذلك
ذكرته، وذكري له أكبر، وأشغله دائمًا بي، وأعصمه مما أكرهه حتى أكون بتوفيقي
إياه وعوني"سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به. . .".
هذا هو المطلوب المبتغى من العباد، وهو الذي وصَّى - جلَّ جلالُه - بالمحافظة عليه
والموافاة به، وعليه يعان بالصبر والصلاة، كما وصَّى بني إسرائيل بقوله عز قوله:
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ) الوفاء بالعهد تستحقوا بذلك الوفاء منه،
وصَّى أيضًا هذه الأمة بذلك، فقال جل قوله: (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ
الصَّابِرِينَ (153) .