وسائر صفات الجبلة في حق إيجاده أنفسها مع سواه ، فقد حصل اليقين بأن لها
التسبيح والكلام والخشية والخوف ، وغير ذلك من الصفات والأعمال .
فافقه عن ربك - عز جلاله - ولا تكن من الممترين ، واعلم مع هذا أن كل
طاعة لله فهي عادة وقنوت ، والصلاة بما هي جمعت جميع العبادات فيها، الذكر ،
والتلاوة ، والصيام ، والحج ، والشهادة ، والزكاة من حيث إن صاحبها يتزكى بها ، وبما
يدفع اللَّه بالمصلين من عباده عمَّن لا يصلي ، فهي أيضًا بهذا داخلة في الصدقة
والزكاة ، وفيها الرفع والخفض ، وكل ذلك متصور في الجماد ، ثم ظهر ذلك بالنشء
كما تقدم ذكره .
(قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54) .
قوله تعالى: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ)
ذكروا أن هذا أمر تعجيز وليس به ، وإنما هو جواب لقولهم:
(أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا(49) . فقال لهم جلَّ
قوله: (كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا(50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ)
وإنما ذلك أن إعادة العظام والرفات أقرب إلى الخلقة في مستصحب الحال
من الحجارة والحديد ، ومن تناسخ الأجسام في الشجر والدواب والأنعام والسباع
جيلًا بعد جيل ، وخلقة بعد خلقة ، والمحذوف من الخطاب: فإنا نعيدكم على ذلك .
أظهر ذلك في قوله حكاية عنهم: (فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ
مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) يَوْمَ