وجميع الموجودات (عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) فمن أحسن من الله
صبغة ، وأي ملة على هذا أحسن من ملة الإسلام ، لذلك يسجد له من في السماوات
والأرض طوعًا وكرهًا ، ويسبحه كل شيء ويقنت .
فمن هَاهُنَا من أسلم لله وآمن به وبما يجب الإيمان به إذا توفي عرجت
الملائكة - عليهم السَّلام - بروحه ، فأحبه كل شيء كما يحب أولياء الله بعضهم
بعضًا ، وفتحت أبواب السماء لروحه سماء سماء حتى يصل إلى ربه - جلَّ جلالُه - ، ولعدم
الإسلام في سواه لم يفتح لهم أبواب السماء ولا دخلوا الجنة ؛ لأنه ليس في الوجود
شيء تولاهم وأحبهم ، واللَّه ولي المؤمنين .
ومن ذلك ما هم عليه - أعني: النصارى - إذا حاولوا تغميس المنَصَّر في ماء
المعمودية يجمع إليه الحاضرون ، وربما من بَعَد فيمسه كل واحد بيده اقتداء في
أصل هدايتهم قبل بالموجودات في صبغة الله - جلَّ جلالُه - ؛ إذ يمسه الهواء والريح والسحاب
والماء والأرض والنبات والأفلاك والكواكب والسماوات ، فيوده كل شيء ويحبه
كل شيء ، فلذلك يفتح له أبواب السماوات ما كان مؤمنًا ووافى على الإيمان
والإسلام ، فإن هو تنصر أو تهود أو تمجس أو كفر بأي أنواع الكفر ، كان يتبرأ منه
كل شيء ويبغضه .
ثم قال عز من قائل: (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ ... (140)
لهم يا محمد من أعلم بهم وبما
كانوا عليه: (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) وهل نزلت التوراة والإنجيل إلا من بعد ما تقدم
ذكرهم ، أم تكتمون شهادتكم في ذلك (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ) .
ولما بلغ من التبليغ الغاية واستوفى في النبيين النهاية قطع الجدال مفلجًا ،
وفصل بالحق غالبًا بقوله جل قوله: (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا
كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)
انظروا لأنفسكم وخذوا لها
بالأوثق في النجاة من عذاب الله ربكم ، فلستم بالمسؤولين عن أعمالهم ، ولا هم
بالمسؤولين عن أعمالكم ، أفمن تكون هذه أعماله ومدرجته في سبيله يزعم أن الدار
الآخرة خالصة له من دون الناس .