تَحْزَنُونَ (49) .
قوله تعالى: وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ... (44)
لو تكلم الكافر بعد الموت لأخبر لا بد ولا محالة ؛
لأنه قد وجد ما وعده ربه حقّا من العذاب وسوء المصير ، ويشعر هو نفسه أن
لو قد مات على ما هو عليه لوجد جزاء عمله حاضرًا ، كذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
بأصحاب القليب .
ثُمَّ أتبع ذلك قوله: (فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(44) الَّذِينَ
يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ... (45) . نشأ الذي في قلب المؤمنين من
العلم بما بين الحالتين ، والبون بما بين المنزلتين في الآخرة إلى آذان المؤذن بين
الفريقين ، يعلم فيه الجميع أن لعنة الله على الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ،
يعني: ما جاءت به الرسل عليهم السلام (وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ) .
ثم قال جل ذكره: (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ...(46) . يعني: بين أهل الجنة
والنار ، وهذا القرب معلوم عن إثارة الوجود المفهوم أول افتراقهما هو من موضع
واحد ، ثم لا يزال الفراق يصول والبعد يتأكد أبدًا ، وكذلك البيت أقرب ما يبون حال
موته بين أهله ، ثم لا يزال شخصه يبلى وذكره ينسى ، وأثره ينقطع حتى يبعد كل
البعد ؛ كذلك قال عز من قائل يصف حال المنافقين في عرصة المحشر:
(فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ . . . . ) .
الظاهر المعهود أن هذا الإعلام بهذا الخطاب من لدن قوله:(جَهَنَّمَ
يَصْلَوْنَهَا)إلى قوله: (هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ) قالوا: أي: المورد
وعليه (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا) [ في النظر
إليها ....].