يكفرون به إسلامهم ، ويضلون بذلك عن هدايتهم يغطي الكفر تلك الحقيقة ،
ويذهلهم عنها دليل ذلك وجود إيمانهم حين وقوع البلاء ، وحلول الحالة التي عبَّر
عنها قوله - جلَّ جلالُه -: (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ)
و (إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ(53) . فإذا انحسرت عنهم حال الضرورة
ووجدوا الفاقة أعرضوا عن ذلك ، ورجعوا إلى المقدور فيهم وعليهم .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا
عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12)
فالشواهد على هذا كثيرة .
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا(122)
هو الحق ، وقوله الحق ووعده الحق .
اعلم - وفقنا الله وإياك - أنه من لم يجعل وعد الله سبحانه وله الحمد كله حقًا
واجبًا ، كوجوب كون النهار بعد الليل والليل بعد النهار ، وكوجوب الحركة من
المتحرك بواسطة القدرة ، وكتسويد الكاغذ عن جري القلم بيد الكاتب ، وكتصوير
الفعل عن مشيئة المصور ، وكوجود النهاية عن الانتهاء ، فمن لم يكن غوره هكذا لم
يوفِّ إيمانه حقه ، وهذا هو اليقين بل كل ما تقدم ذكره ، ووجوده على المعهود من
جريان العادة .
ومن الجائز الممكن بمجزيها أن يقطع ذلك المعهود فلا يكون ، بل هو مما
يجب الإيمان به ، وليس من الجائز ولا الممكن خلف وعد يعد به ، ولا وجود خبر
منه على خلاف مخبره - سبحانه وتعالى - عن ذلك عُلُوًّا كبيرًا ، فاعلم ذلك واعمل عليه فإن
الشيطان - لعنه الله - قد يقنع من العباد بالغفلة عن مشاهدة الحقائق ، وينسيه القطع
والعمل بها ، وإن كان معلومها مختزنًا في جدر قلبه ، وربما استجره من هذا المقام
إلى حال الجهل به والعمل على غفلته عنها والجهل بها كما فعل في أصل الإيمان
الذي تقدم الراسخ في الجبلة المغروز في سنخ الفطرة حتى اجتالهم عنها وأزاحهم
عن حقيقتها ، كذلك كان أولئك من قبل ، فتبينوا رحمكم الله (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرًا (94) .
(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ