الأفعال وسفال السير ، وكانت الجاهلية تفعل ذلك ، فاستاق ذكر ذلك تعييبًا وتمقيتًا ؛
لذلك قال: (وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ) أي: لذنوبهن (رَحِيمٌ)
أي: بهن كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما"
استكرهوا عليه"فالإثم على من أكرههن بغاءً ."
قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ ...(34) . هذه الآيات اللاتي
ذكرهن في أول السورة ، فعطف هنا بالواو على ذكر ما أنزله من أول السورة إلى هذا
الموضع من آيات بينهن ، وفرضهن على عباده ، واسم آيات عام في الكتاب الذي
هو القرآن ، لكنه لما ذكر الآيات بالعموم نبه على تفصيل ما أراده .
قوله تعالى: (وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ(34)
أعلمنا - جلَّ جلالُه - أنه قد مثل لمن قبلنا في التعريف به كما مثل لنا بمثل ما مثله لهم أو بما
يقاربه ذلك ؛ لييسر مأتي الذكرى للمتذكرين ، ونصَّ على أن هذا المثل هو من تلك
الأمثال كما قال: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(43)
فمتى مرَّ عليك في تلاوتك مثل من الأمثال فتوقف وتدبر واستعن
بالله ، وسله التشديد لإصابة الصواب ، ففي الأمثال العلم وعلي المعرفة ، فافهم .
وفيهن معالي المعاني التي لم تعهد النفوس لها مثالات ، ولا سبقت إليها لها
أشباه ، فليمثل لها من المشهودات مثالات ، ومن المعهود في الموجودات ما يكون
فيه وصف من أوصاف المطلوب ، والعقل يقضي بالتنزيه للرفيع ، والإيمان يوجب
المثل الأعلى للعلي ، ولولا الفعل لم يعلم الفاعل ، ولولا الأسامي لجهل الاسم
والمسمى ؛ لذلك قال وقوله الحق: (وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ(43) . ثم
قال: (خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ(44) .
ورؤية المتقين أعرف في سبيل العبرة من رؤية سائر المؤمنين لذلك - وهو
أعلم - قال: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) وذلك أن لروح التقي روحًا تحيى به