عنده ، ويخاطبهم في عقولهم ، ويظهر لهم منه مثل وصفهم ؛ ليوصل إليهم من الأنس
نصيبهم ويوفيهم من الدرك منه حقوقهم ؛ لئلا تعظم هيبته في صدروهم فينقطعون
لذلك عن سؤالهم ، والأنس به جبلة جبل عليها تعلم ذلك من العليم الحكيم ؛
لذلك قال - عز من قائل: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4) .
يقول: على خلق الربوبية والعلم أصل للخوف والرجاء ، وهما حالان في العلم
والرجاء ، والخوف كالليل والنهار يكوران هذا على هذا وهذا على هذا ، وكما جاء
بأن يغير على المدة لأحدهما فيقال: ثلاثة أيام وثلاث ليال ؛ لأن أحدهما لبسه
الآخر ، كذلك جاز أن يعبر عن أحدهما بالآخر ، وجاز هذا بذكر الخوف والخشية
في خطاب القرآن بمعنى التنزل المعهود منه - جلَّ جلالُه - عن عظمة جبروته وعلى كبريائه
إلى خطاب عباده ، ولضرب من الابتلاء لبعضهم في ذلك ، وكان ذلك آية لا على أن
من أصابه مكروه في مال أو ولد أو نفس ما كان مؤمنًا ، فليختر إرادة الله به وإن كان
هو لا يعلم ما هو ذلك الخير ، فقد أبدل الله - جل ذكره - من الأبوين ذلك الغلام
(خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا(81) .
ثمِ قال: (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا
وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا ... (82) . وقرأ ابن عباس:"فوجدا فيها جدارًا يريد أن"
ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه"وفي قراءة أبي:"لو شئت لأوتيت عليه أجرًا"وكان ما"
قضاه الله - جل ذكره - على يد الخضر - عليه السَّلام - آية على أن العبد الصالح يحفظ
في عقبه من بعده ، وكان الجدار قائمًا مقام الوصي الأمين النصيح للأيتام ، وأن الله
يعينه ويحميه ما كان في نصيحة الأيتام وحياطتهم .
ولذلك قال - والله أعلم - قال في قصة السفينة: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا)
وقال في قصة الغلام: (فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا(80)
وقال في قصة حائط الأيتام (فَأَرَادَ رَبُّكَ) وتعاهدهم