المصيف والشتاء أن يحضر فيهما يحضران في تلك معًا كمالا (لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا
مَمْنُوعَةٍ (33) . وبوجه آخر أنه يبلغ بالنشء إلى أن توجد هاتان الجنتان عن
موضع إيجاده جهنم ، فإنه أوجدها عن غضبه ، وصورها صورة على مقتضى سخطه
وانتقامه ، والجنة موضع موجود مفيض رضوانه ومحبته وفيض جوده وإعطائه فهو
يوجد برضاه من موضع غضبه إكراما وإجلالًا .
ويوجد عن ذلك من موجودات الجنة من نسوانها وولدانها وجناتها وأشجارها
وثمارها وفواكهها ، كما أوجد في هذه عن فيح جهنم بواسطة فتح رحمته الجنات ،
وأكثر الموجودات من نساء وولدان ودواب وأنعام ، بل الموجود كله في هذه الدار
عن هذا ، فافهم لذلك وهو أعلم أحال على ما هاهنا بقوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا
تُكَذِّبَانِ (53) .
وهذه عبرة لا يصح لك اعتقادها حتى تؤمن بها وتعلم يقينًا أن الله - جل ذكره -
لو شاء أن يجعل من جهنم جنة بأن يدخل فيها رحمته ويشأ ذلك منها لفعل ، وأنه
لفاعل ذلك في الجنة إن شاء الله ، ينشئ جنة من موضع رضوانه وينشئ أخرى من
موضع سخطه بواسطة رضوانه ورحمته ومشيئته في ذلك ، فاعلم يقينًا .
ومن ذلك قوله - جل من قائل: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) .
(فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) جنة جزاء ، لأنهم انتهوا عما
يسخطه ، وجنة جزاء ؛ لأنهم عملوا بما يرضيه .
ومن ذلك قوله - عز من قائل - في وصف موجودات هذه الدار:(وَمِنْ كُلِّ
شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)أي: من مقتضى فتح الرحمن ومقتضى فيح جهنم ، لذلك قال:
(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ . . . . ).
وقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ(7) إِنَّ فِي ذَلِكَ
لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) . أي: ذلك آية منه على رحمته
وغفرانه ، لذلك اجتلب من الأسماء بعد هذا قوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) أي: ذو
انتقام (الرَّحِيمُ) أي: ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم ، وعلى هذا
يتخرج أيضًا قوله فيما هاهنا: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(53) .