فهرس الكتاب

الصفحة 2543 من 2809

المصيف والشتاء أن يحضر فيهما يحضران في تلك معًا كمالا (لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا

مَمْنُوعَةٍ (33) . وبوجه آخر أنه يبلغ بالنشء إلى أن توجد هاتان الجنتان عن

موضع إيجاده جهنم ، فإنه أوجدها عن غضبه ، وصورها صورة على مقتضى سخطه

وانتقامه ، والجنة موضع موجود مفيض رضوانه ومحبته وفيض جوده وإعطائه فهو

يوجد برضاه من موضع غضبه إكراما وإجلالًا .

ويوجد عن ذلك من موجودات الجنة من نسوانها وولدانها وجناتها وأشجارها

وثمارها وفواكهها ، كما أوجد في هذه عن فيح جهنم بواسطة فتح رحمته الجنات ،

وأكثر الموجودات من نساء وولدان ودواب وأنعام ، بل الموجود كله في هذه الدار

عن هذا ، فافهم لذلك وهو أعلم أحال على ما هاهنا بقوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا

تُكَذِّبَانِ (53) .

وهذه عبرة لا يصح لك اعتقادها حتى تؤمن بها وتعلم يقينًا أن الله - جل ذكره -

لو شاء أن يجعل من جهنم جنة بأن يدخل فيها رحمته ويشأ ذلك منها لفعل ، وأنه

لفاعل ذلك في الجنة إن شاء الله ، ينشئ جنة من موضع رضوانه وينشئ أخرى من

موضع سخطه بواسطة رضوانه ورحمته ومشيئته في ذلك ، فاعلم يقينًا .

ومن ذلك قوله - جل من قائل: ( وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ) .

(فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) جنة جزاء ، لأنهم انتهوا عما

يسخطه ، وجنة جزاء ؛ لأنهم عملوا بما يرضيه .

ومن ذلك قوله - عز من قائل - في وصف موجودات هذه الدار:(وَمِنْ كُلِّ

شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)أي: من مقتضى فتح الرحمن ومقتضى فيح جهنم ، لذلك قال:

(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ . . . . ).

وقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ(7) إِنَّ فِي ذَلِكَ

لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) . أي: ذلك آية منه على رحمته

وغفرانه ، لذلك اجتلب من الأسماء بعد هذا قوله: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) أي: ذو

انتقام (الرَّحِيمُ) أي: ذو الرحمة الواسعة والفضل العظيم ، وعلى هذا

يتخرج أيضًا قوله فيما هاهنا: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(53) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت