من نفسه إن كان مما يوصف بالعلم ظاهرًا من العلم ولا يحيط به ، فكيف يعلم من
سواه ، ويتناول تقصي العلم بهذا وارتفاعه إلى أبعد غاياته اسمه المحيط والخبير
والعليم ، فيرجع ذلك إلى قوله: ( لَا يعلمهَا إِلا هُوَ ) ثم قال وقوله
الحق: (وَمَا يَشْعُرُونَ) يعني: آلهتهم التي يدعون من دون الله (أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) .
كما وصف نفسه بالقدرة وحسن الاستجابة والأمر والخلق وصف أولئك
بأنهم: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) لذلك قال في
هذا الموضع عند هذا: (إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ
وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) . علم كل شيء قبل كونه ، وأحاط بالوجود كله قبل
إظهاره كيف لا يكون كذلك ، وهو يعلم نفسه سبحانه ، وكل الوجود موجود عنه
ومنه وبه وله ، فهو يعلم الوجود كله من وجوده العلي ، ألا يعلم من خلق لذلك قدر
ما هو موجده قبل إيجاده .
قوله - عز وجل -: (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ ...(66) . أضرب عن وصفهم
بقلة الذكر والعلم بقول: إنما يجتمع علمهم وذكرهم الحق في الآخرة ، ادارك:
تلاحق واجتمع ونحو هذا ، يتحصل العلم لهم يومئذٍ حين لا ينفعهم العلم ، وقد
ضيعوه حيث كان ينفعهم ، ويمكن أن يكون المراد بذلك الإخبار بأن علمهم اجتمع
في معرفة الآخرة ، فهم بها جاهلون ؛ أي: اجتمعوا في عدم العلم بها ، والأول منتظم
الوجهين ، يدل على صحة الوجهين قوله: (بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا) أي: اليوم ، يعني:
الآخرة ، ثم قال: (بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ) النمل:166 أي: اليوم أضرب أيضًا عن
وصفهم بالآخرة والعلم بها فيما هنالك ، والشك فيما هَاهُنَا .
ووجه الوصف إلى ما هم عليه من العمى اليوم ، وما الذي أعماهم عن الآخرة
بقوله: (بَلْ هُمْ مِنْهَا) يعني: الدنيا (عَمُونَ) أي: أسكرتهم الدنيا وأعمتهم ؛ فتقدير
الكلام - وهو أعلم: بل ادارك علمهم في الآخرة ، تجمع إليهم وتلاحق لهم ، بل هم
اليوم في شك منها ، بل هم من حب الدنيا وسكرتها عمون عن الآخرة وعن علم ما
ينفعهم علمه .