قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ(16) .
هذا منتظم بما قبله من ذكر الجزء ، فهذا انتظام صحيح من حيث المجاورة ، وبوجه آخر
أرى - والله أعلم - أنه كلام تقدم على موضعه ، والمنتظم به معنى قوله: (أَوَمَنْ
يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) . أي: البنات تنسبون إليه
وإلى أنفسكم الذكران وإليه الإناث (أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ(16) .
(وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(17) .
يكظم غيظه يفكر في نفسه كيف يمسكها (عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا
يَحْكُمُونَ (59) . حرموا الإصابة في وصفهم الرحمن - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه
وشأنه بالولد في اتخاذهم الأثرة عليه فرضوا له ما لم يرضوه لأنفسهم على
خطابهم ، ثم ينتظم به (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ) المعنى: نسبتم إليَّ وجعلتم لي
وجعلتم لأنفسكم الأفضل عندكم .
وذكر قول الآخرين في قوله - جلَّ جلالُه -: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ [عِنْدَ] الرَّحْمَنِ إِنَاثًا ...(19) .
وقرئ ،"الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ"وهذه القراءة أعلى وأليق
بسياق المعنى الذي جاءت له ، وهي قراءة ابن مسعود ، ومن قرأ:"عند [الرحمن] "ذهب
إلى الجاه والخصوصية ، كقوله:(إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ
وَيُسَبِّحُونَهُ).
قوله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(20) .
رد الله - جلَّ ذكره - قولهم عليهم وإن كان ما قالوه
حقا ، لكنهم لمَّا استمروا على كفرهم وشركهم فخرجت كلمتهم هذه عن غير علم
ولا معرفة ، جعله منهم تخرصًا وتظننًا .
(أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ(21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ