وقال: (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا(21) . أي:
خلقة وجملة.
يقول الله - جل ثناؤه: (فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا(22) . يعني:
أبعدت.
(فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ ...(23) . أي: ساقها واضطرها (إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ) معروف مكانه
اليوم يقوم عليه، ولهذا استاقه بالتعريف، والله أعلم.
(قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) تقول: ليتني لم
أعرف، ولم يُدرَ من أنا، النسي المنسي: هو الذي لا يذكر، والنسي: المجهول،
تمنت - عليها السلام - أن يقضى قضاء ربها ولا تُذكر.
(فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) .
قوله - عز وجل: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا ...(24) . بالخفض وبالفتح قيل ناداها
جبريل من تحتها) وقيل: المنادي لها عيسى - عليه السَّلام - وهو الأظهر، قام لها نداؤه إياها
مقام إعلام الفطرة للعبد؛ ولذلك قالت لما بهتوها بما قالوا أشارت إليه عن علم
منها بذلك.