وفرعون في الأرض خسف الله بهذا وأغرق هذا ومن تبعهما ، والذين (لَا يُرِيدُونَ
عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ... (83) . يرفعهم اللَّه إلى جواره في الدرجات العلا والنعيم
المقيم ، لذلك قال ، عز من قائل: (وَالْعَاقِبَةُ) أي: تبيانها وحقيقة ظهورها
(لِلْمُتَّقِينَ) .
وفي هذا تنبيه على أن العاقبة للمؤمنين بعد هذا إن شاء الله (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ)
أي: الذي كان فيه رسول الله والمؤمنون من ظهور أهل الكفر عليهم بمكة (يُسْرًا)
الذي كان فيه المؤمنون من النصر والفتح في أيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الهجرة
وطول مدة الخلفاء (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ) هذا الذي أصاب المسلمين بعد نبيهم وخلفائه
(يُسْرًا) ما يكون في العاقبة من النصر والفتح - إن شاء الله .
(فصل)
قوله تعالى فيما حكاه عن المتندمين قولهم: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ
يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)
قيل في معنى قولهم:"ويك"أن غير ما وجه ، والأقرب إلى الصواب
إن شاء الله أن"وَيْ"مفصولة هي إشارة إلى ويل ، وأسقطا اللام والكاف للمخاطب ،
و"أن"مفتوحة الهمزة إخبار عما يريد المخبر الإخبار عنه ، وفتحت"أن"لمحذوف
مقدر هناك ، وهو"ألم تعلم"أو ما يكون في معنى ذلك ؛ والتقدير: ويك ألم تعلم
أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، ويك ألم تعلم أنه لا يفلح الكافرون ، وإنما
القوم تندموا فانتبهوا ، فتلاوموا على رأي قد وقاهم الله شره .
ومن ذلك قول رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في [أَبي بَصِيرٍ] :"وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ"
[أَحَدٌ] "فقوله:"وي"إشارة إلى الويل ، واللام جارة للام ، وهي كلمة تقولها"
العرب تفجعًا من فوات مرغوب فيه قد أمكن مناله لمانع موجود حال دونه ، وقد
يكون"وي"زائدًا إلى ما تقدم للتنبيه والإعلام ، والكاف للمخاطب ، وأنشدوا شاهدًا
على ذلك قول الشاعر: